فهرس الكتاب
أحد ـ و إن بلغ من الذكاء والعصمة والطهارة، ما بلغ ـ أنه خير من يونس، لأجل ما حكى الله عنه، فإن درجة النبوة أفضل وأعلى، وإن تلك الأقدار لم تحطه، عنها حبة خردل ولا أدنى.
و سنزيد في القسم الثالث في هذا بيانًا إن شاء الله تعالى.
فقد بان لك الغرض، وسقط بما حررناه شبهة المعترض، و بالله التوفيق، وهو المستعان لا إله إلا هو
الفصل الثالث عشر
في أسمائه - صلى الله عليه وسلم - وما تضمنته من فضيلته
-حدثنا أبو عمران موسى بن أبي تليد الفقيه، قال: حدثنا أبو عمر الحافظ، حدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن وضاح، حدثنا يحيى، حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لي خمسة أسماء: أنا محمد، و أنا أحمد، و أنا الماحي، الذي يمحو الله بي الكفر،
و أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، و أنا العاقب.
-وقد سماه الله تعالى في كتابه محمدًا، وأحمد.
فمن خصائصه تعالى له أن ضمن أسماءه ثناءه، وطوى أثناء ذكره عظيم شكره.
فأما اسمه أحمد فأفعل مبالغةً من صفة الحمد.
ومحمد: مفعل، مبالغة من كثرة الحمد، فهو ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أجل من حمد، و أفضل من حمد، و أكثر الناس حمدًا، فهو أحمد المحمودين، وأحمد الحامدين، ومعه لواء الحمد يوم القيامة ليتم له كمال الحمد، ويتشهر في تلك العرصات بصفة الحمد، ويبعثه ربه هناك مقامًا محمودًا كما وعده، يحمده فيه الأولون والآخرون بشفاعته لهم، ويفتح عليه فيه من المحامد ـ كما قال - صلى الله عليه وسلم - ـ ما لم يعط غيره، وسمى أمته في كتب أنبيائه بالحمادين، فحقيق أن يسمى محمدًا وأحمد.
ثم في هذين الاسمين من عجائب خصائصه، وبدائع آياته ـ فن آخر، و هو أن الله جل اسمه حمى أن يسمى بهما أحد قبل زمانه.
أما أحمد الذي أتى في الكتب وبشرت به الأنبياء فمنع الله تعالى بحكمته أن يسمى به أحد غيره، ولا يدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك.
وكذلك محمد أيضًا لم يسم به أحد من العرب ولاغيرهم إلى أن شاع قبيل وجوده - صلى الله عليه وسلم - وميلاده أن نبيًا يبعث اسمه محمد، فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك، رجاء أن يكون أحدهم هو. و (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: 124) وهم: محمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسي، و محمد بن مسلمة الأنصاري، و محمد