الصفحة 22 من 409

الجميع، و يستثر ما فيها من الفوائد، و كيف ابتدأ بالإكرام قبل العتب، و أنس بالعفو قبل ذكر الذنب إن كان ثم ذنب.

-و قال تعالى: (( وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) (الإسراء: 74)

قال بعض المتكلمين: عاتب الله تعالى الأنبياء عليهم السلام بعد الزلات، و عاتب نبيًا - صلى الله عليه وسلم - قبل وقوعه، ليكون بذلك أشد انتهاءً و محافظة لشرائط المحبة، و هذه غاية العناية.

ثم انظر كيف بدأ بثباته و سلامته قبل ذكر ما عتبه عليه و خيف أن يركن إليه، ففي أثناء عتبه براءته، و في طي تخويفه تأمينه و كرامته.

-ومثله قوله تعالى: (( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) -الأنعام: 33).

-قال علي رضي الله عنه: قال أبو جهل للنبي - صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك و لكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله تعالى: (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) .

-وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كذبه قومه حزن، فجاءه جبريل عليه السلام فقال: ما يحزنك؟ قال: كذبني قومي! فقال: إنهم يعلمون أنك صادق، فأنزل الله تعالى الآية.

ففي هذه الآية منزع لطيف المأخذ، من تسليته تعالى له - صلى الله عليه وسلم -، و إلطافه به في القول، بأن قرر عنده أنه صادق عندهم، و أنهم غير مكذبين له، معترفون بصدقه قولًا وإعتقادًا، و قد كانوا يسمونه ـ قبل النبوة ـ الأمين، فدفع بهذا التقرير ارتماض نفسه بسمة الكذب، ثم جعل الذم لهم بتسميتهم جاحدين ظالمين، فقال تعالى: (وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) - سورة الأنعام 33.

فحاشاه من الوصم، و طوقهم بالمعاندة بتكذيب الآيات حقيقة الظلم، إذ الجحد إنما يكون ممن علم الشيء ثم أنكره، كقوله تعالى: (( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (النمل: 14)

ثم عزاه و آنسه بما ذكره عمن قبله، و وعده النصر بقوله تعالى: (( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) -الأنعام: 34

-فمن قرأ وإن (يُكْذِبثوك) بالتخفيف، فمعناه: لا يجدونك كاذبًا. و قال الفراء، و الكسائي: لا يقولون إنك كاذب. وقيل: لا يحتجون على كذبك، و لا يثبتونه.

و من قرأ (يُكََذِّبُوك) بالتشديد فمعناه: لا ينسبوك إلى الكذب. و قيل: لا يعتقدون كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت