فهرس الكتاب
ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق و ظواهرهم، و سياسة العامة و الخاصة، مع عجيب شمائله، ... و بديع سيره، فضلًا عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع دون تعلم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب منه، لم يمتر في رجحان عقله، و ثقوب فهمه لأول بديهة، وهذا ما لا يحتاج إلى تقريره لتحقيقه.
-وقد قال وهب بن منبه: قرأت في أحد و سبعين كتابًا، فوجدت في جميعها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرجح الناس عقلًا، و أفضلهم رأيًا.
-وفي رواية أخرى: فوجدت في جميعها أن الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله - صلى الله عليه وسلم - إلا كحبة رمل من بين رمال الدنيا.
-وقال مجاهد: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام في الصلاة يرى من خلفه كما يرى من بين يديه. و به فسر قوله تعالى: (( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) ـالشعراء: 219 ـ.
-وفي الموطأ عنه - صلى الله عليه وسلم: إني لأراكم من وراء ظهري.
-ونحوه ـ عن أنس في الصحيحين، و عن عائشة مثله، قالت: زيادة زاده الله إياها في حجته.
-وفي بعض الروايات: إني لأنظر من ورائي كما أنظر من بين يدي.
-وفي أخرى: إني لأبصر من قفاي كما أبصر من بين يدي.
-وحكى بقي بن مخلد، عن عائشة، قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرى في الظلمة كما يرى في الضوء.
-والأخبار كثيرة صحيحة في رؤيته - صلى الله عليه وسلم - للملائكة و الشياطين.
-ورفع النجاشي له حتى صلى عليه، و بيت المقدس حين وصفه لقريش، والكعبة حين بنى مسجده.
-وقد حكي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يرى في الثريا أحد عشر نجمًا.
-وهذه كلها محمولة على رؤية العين، و هو قول أحمد بن حنبل و غيره.
-وذهب بعضهم إلى ردها إلى العلم، و الظواهر تخالفه، و لا إحالة في ذلك، و هي من خواص الأنبياء و خصالهم، كما أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد العدل من كتابه، حدثنا أبو الحسن المقري الفرغاني، حدثتنا