الصفحة 55 من 409

وأما الضرب الثالث، فهو ما تختلف الحالات في التمدح به والتفاخر بسببه، والتفضيل لأجله، ككثرة المال ـ فصاحبه على الجملة معظم عند العامة، لإعتقادها توصله به إلى حاجاته، و تمكن أغراضه بسببه، وإلا فليس فضيلة في نفسه، فمتى كان المال بهذه الصورة، و صاحبه منفقًا له في مهمات من اعتراه وأمله، وتصريفه في مواضعه مشتريًا به المعالي والثناء الحسن، والمنزلة في القلوب ـ كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا، وإذا صرفه في وجوه البر، وأنفقه في سبيل الخير، و قصد بذلك الله والدار الآخرة، كان فضيلة عند الكل بكل حال، ومتى كان صاحبه ممسكًا له غير موجهه وجوهه، حريصًا على جمعه، عاد كثرة كالعدم، و كان منقصة في صاحبه، و لم يقف به على جدد السلامة، بل أوقعه في هوة رذيلة البخل، و مذمة النذالة، فإذًا التمدح بالمال و فضيلته عند مفضله ليست لنفسه، ... وإنما هو للتوصل به إلى غيره، و تصريفه في متصرفاته، فجامعه إذا لم يضعه مواضعه، و لا وجهه وجوهه غير مليء بالحقيقة و لا غنى بالمعنى، و لا ممتدح عند أحد من العقلاء، بل هو فقير أبدًا غير واصل إلى غرض من أغراضه، إذ ما بيده من المال الموصل لها لم يسلط عليه، فأشبه خازن مال غيره ولا مال له، فكان ليس في يده منه شيء.

والمنفق مليء وغني بتحصيله فوائد المال، و إن لم يبق في يده من المال شيء.

فانظر سيرة نبينا - صلى الله عليه وسلم - و خلقه في المال تجده قد أوتي خزائن الأرض، و مفاتيح البلاد، وأحلت له الغنائم ولم تحل لنبي قبله، وفتح عليه في حياته - صلى الله عليه وسلم - بلاد الحجاز و اليمن، و جميع جزيرة العرب، و ما دانى ذلك من الشام والعراق، و جلبت إليه من أخماسها و جزيتها و صدقاتها ما لا يجني للملوك إلا بعضه، وهادته جماعة من ملوك الأقاليم فما استأثر بشيء منه، و لا أمسك منه درهما، بل صرفه مصارفه، ... وأغنى به غيره، و قوى به المسلمين، و قال: ما يسرني أن لي أحُدًا ذهبًا يبيت عندي منه دينار، إلا دينارًا أرصده لدين.

وأتته دنانير مرة فقسمها، و بقيت منها ستة، فدفعها لبعض نسائه، فلم يأخذه نوم حتى قام و قسمها وقال: الآن استرحت.

-ومات و درعه مرهونة في نفقة عياله.

-واقتصر من نفقته و ملبسه و مسكنه على ما تدعو ضرورته إليه.

-وزهد فيما سواه، فكان يلبس ما وجده، فيلبس في الغالب الشملة، والكساة الخشن، والبرد الغليظ، ويقسم على من حضره أ قْبِيّة الديباج المخوصة بالذهب، ويرفع لمن لم يحضره، إذ المباهاة في الملابس والتزين بها ليست من خصال الشرف والجلالة، وهي من سمات النساء.

والمحمود منها نقاوة الثوب، والتوسط في جنسه، وكونه لبس مثله، غير مسقط لمروءة جنسه مما لا يؤدي إلى الشهرة في الطرفين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت