فهرس الكتاب
وقد ذم الشرع ذلك، وغاية الفخر فيه في العادة عند الناس إنما يعود إلى الفخر بكثرة الموجود، ووفور الحال.
-وكذلك التباهي بجودة المسكن، و سعة المنزل، و تكثير آلاته و خدمه و مركوباته.
ومن ملك الأرض، وجبي إليه ما فيها، فترك ذلك زهدًا وتنزهًا، فهو حائز لفضيلة المال، ومالك للفخر بهذه الخصلة إن كانت فضيلة زائد عليها في الفخر، ومُعَرق في المدح بإضرابه عنها، و زهده في فانيها، وبذلها في مظانها.
الفصل الثامن
في الخصال المكتسية من الأخلاق الحميدة
وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة والآداب الشريفة التي اتفق جميع العقلاء على تفضيل صاحبها، و تعظيم المتصف بالخلق الواحد منها، فضلًا عما فوقه و أثنى الشرع على جميعها، و أمر بها، ووَعَد السعادة الدائمة للمتخلق بها، ووَصَف بعضها بأنه من أجزاء النبوة، و هي المسماة بحسن الخلق، و هو الإعتدال في قوى النفس وأوصافها، والتوسط فيها دون الميل إلى منحرف أطرافها، فجميعها قد كانت خلق نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - على الإنتهاء في كمالها، والإعتدال إلى غايتها، حتى أثنى الله بذلك عليه، فقال تعالى: (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4)
-قالت عائشة ـ رضي ا لله عنها: كان خلقه القرآن، يرضى برضاه، و يسخط بسخطه.
-وقال - صلى الله عليه وسلم: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.
-قال انس: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خلقًا.
-وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مثله.
-وكان فيما ذكره المحقوق مجبولًا عليها في أصل خلقته وأول فطرته، لم تحصل له باكتساب ولا رياضة إلا بجود إلهي، و خصوصية ربانيّة.
وهكذا لسائر الأنبياء، ومن طالع سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم حقق ذلك، كما عرف من حال عيسى ... وموسى، ويحيى، وسليمان، وغيرهم عليهم السلام.
بل غرزت فيهم هذه الأخلاق في الجبلة، و أودعوا العلم و الحكمة في الفطرة، قال الله تعالى عن يحيى: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (مريم: 12)