الصفحة 59 من 409

أما أصل فروعها، و عنصر ينابيعها، و نقطة دائرتها فالعقل الذي منه ينبعث العلم والمعرفة، ويتفرع عن هذا ثقوب الرأي، وجودة الفطنة، والإصابة، وصدق الظن، والنظر للعواقب و مصالح النفس، ... ومجاهدة الشهوة، وحسن السياسة والتدبير، واقتناء الفضائل، وتجنب الرذائل.

وقد أشرنا إلى مكانه - صلى الله عليه وسلم -، وبلوغه منه ومن العلم الغاية التي لم يبلغها بشر سواه، و إذ جلالة محله من ذلك، و مما تفرع منه متحققة عند من تتبع مجاري أحواله، واطراد سيره، وطالع جوامع كلامه. ... وحسن شمائله، وبدائع سيره، وحكم حديثه، وعلمه بما في التوراة و الإنجيل والكتب المنزلة، وحكم الحكماء، و سير الأمم الخالية، و أيامها وضرب الأمثال، و سياسات الأنام، و تقرير الشرائع، ... وتأصيل الأداب النفسية، والشيم الحميدة إلى فنون العلوم التي اتخذ أهلها كلامه - صلى الله عليه وسلم - فيها قدوه، ... وإشاراته حجة، كالعبارة، و الطب، و الحساب، و الفرائض، و النسب، وغير ذلك مما سنبينه في معجزاته إن شاء الله، دون تعليم ولا مدارس، ولا مطالعة كتب من تقدم، ولا الجلوس إلى علمائهم، بل نبي أمي لم يُعرف بشيء من ذلك، حتى شرح الله صدره، وأبان أمره، وعلمه، وأقرأه، يعلم ذلك بالمطالعة و البحث عن حاله ضرورة، وبالبرهان القاطع على نبوته نظرًا، فلا نطول بسرد الأقاصيص، وآحاد القضايا، إذ مجموعها ما لا يأخذه حصر، ولا يحيط به حفظ جمع، و بحسب عقله كانت معارفه - صلى الله عليه وسلم - إلى سائر ما علمه الله تعالى، وأطلعه عليه من علم ما يكون و ما كان، وعجائب قدرته، وعظيم ملكوته، قال تعالى (َوعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (النساء 113) ...

حارث العقول في تقدير فضله عليه، و خرست الألسن دون و صف يحيط بذلك أو ينهى إليه.

الفصل العاشر

في الفرق بين الحلم و الإحتمال، و العفو مع القدرة، و الصبر على ما يكره

وأما الحلم والاحتمال، والعفو مع القدرة، والصبر على ما يكره، وبين هذه الألقاب فرق، فإن الحلم حالة توقر و ثبات عند الأسباب المحركات. والاحتمال: حبس النفس عند الآلام والمؤذيات. ومثلها الصبر، ومعانيها متقاربة ... وأما العفو فهو ترك المؤاخذة.

و هذا كله مما أدب الله تعالىبه نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فقال: (( خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: 199)

-روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نزلت عليه هذه الآية سأل جبريل عليه السلام عن تأويلها، فقال له: أسأل العالم

ثم ذهب فأتاه، فقال: يامحمد. إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، و تعطي من حرمك، و تعفو عمن ظلمك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت