الصفحة 60 من 409

قال له: واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور.

و قال تعالى: (( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) (الأحقاف: 35)

وقال: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النور: 22 ) ) .

-وقال: (( وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: 43)

ولا خفاء بما يؤثر من حلمه واحتماله، و أن كل حليم قد عرفت منه زله، و حفظت عنه هفوه، وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرًا، وعلى اسراف الجاهل إلا حلمًا.

-حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن علي التغلبي وغيره، قالو ا: حدثنا محمد بن عتاب، حدثنا أبو بكر بن و افد القاضي و غيره، حدثنا أبو عيس، حدثنا عبيد الله، قال حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمرين قط إلا اختار أيسرهم ما لم يكن اثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، و ما انتقم رسول الله صلى الله عليه و سلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمه الله تعالى، فينتقم لله بها.

-وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كسرت رباعيته و شج و جهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه شقًا شديدًا، ... و قالوا: لو دعوت عليهم! فقال: إني لم أبعث لعانًا، و لكني بعثت داعيًا و رحمة. اللهم اهد قومي فإنهم لايعلمون.

-وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في بعض كلامه: بأبي أنت و أمي يا رسول الله! لقد دعا نوح على قومه، فقال: (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) (نوح: 26 ) ) . و لو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وطيء ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيرًا، فقلت: اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون.

-قال القاضي ابو الفضل وفقه الله: انظر في هذا القول من جماع الفضل، ودرجات الإحسان، وحسن الخلق، وكرم النفس، وغاية الصبر والحلم، إذ لم يقتصر - صلى الله عليه وسلم - على السكوت عنهم حتى عفا عنهم، ثم أشفق عليهم ورحمهم، ودعا وشفع لهم، فقال: اغفر أو اهد، ثم أظهر سبب الشفقة و الرحمة بقوله: لقومي، ثم اعتذر عنهم بجهلهم، فقال: فإنهم لا يعلمون.

-ولما قال له الرجل: اعدِل، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ـ لم يزده في جوابه أن يبين له ما جهله.

ووعظ نفسه، و ذكرها بما قال له، فقال: و يحك! فمن يعدل إن لم أعدل! خبت و خسرت إن لم أعدل! و نهى من أراد من أصحابه قتله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت