الصفحة 62 من 409

-وجاءه زيد بن سعنة قبل إسلامه يتقاضاه دينًا عليه، فجبذ ثوبه عن منكبه، و أخذ بمجامع ثيابه، ... وأغلظ له، ثم قال: إنكم، يا بني عبد المطلب مَطْل، فانتهره عمر وشدد له في القول، و النبي - صلى الله عليه وسلم - يبتسم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أنا وهو كنا إلى غير هذا أحوج منك يا عمر، تأمرني بحسن القضاء ... و تأمره بحسن التقاضي. ثم قال: لقد بقي من أجله ثلاث، و أمر عمر يقضيه ماله و يزيده عشرين صاعًا لما روعه، فكان سبب إسلامه، ذلك انه كان يقول: ما بقي من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنتين لم أخبرهما: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل إلا حلمًا. فأختبرته بهذا، فوجدته كما وصف.

والحديث عن حلمه - صلى الله عليه وسلم - وصبره وعفوه عند القدرة أكثر من أن تأتي عليه، و حسبك ما ذكرناه مما في الصحيح والمصنفات الثابتة إلى ما بلغ متواترًا مبلغ اليقين: من صبره على مقاساة قريش، وأذى الجاهلية، و مصابرته الشدائد الصعبة معهم إلى أن أظفره الله عليهم، وحكمه فيهم، وهم لا يشكون في استئصال شأفتهم، و إبادة خضرائهم، فما زاد على أن عفا وصفح، وقال: ما تقولون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم، و ابن أخ كريم، فقال: أقول كما قال أخي يوسف: (لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف: 92 ) ) ، اذهبوا فأنتم الطلقاء.

-وقال أنس: هبط ثمانون رجلًا من التنعيم صلاة الصبح ليقتلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخذوا، فأعقتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله تعالى: (( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) (الفتح: 24 ) ).

وقال لأبي سفيان ـ و قد سيق إليه بعد أن جلب إليه الأحزاب، و قتل عمَّه و أصحابه ومثل بهم، فعفا عنه، ولاطفه في القول: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ فقال: بأبي أنت و أمي! ما أحلمك و أوصلك و أكرمك؟

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبعد الناس غضبًا، وأسرعهم رضًا، - صلى الله عليه وسلم -.

الفصل الحادي عشر

في معاني الجود و الكرم، و السخاء و السماحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت