فهرس الكتاب
وأبو محمد يقول: إنهم لن يسنوا خلاف سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونحن نقول: قد لا تنقل إليهم سنة فيجتهدون، كالعول، سنة ماضية باجتهاد عمر رضي الله عنه، وقلت سنة ماضية لقوله صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ) فإن بان لنا نص صحيح غاب عنهم: صرنا إليه [1] .
ولست أسمي هذا إجماعًا؛ لأنهم رضي الله عنهم ليسوا كل المؤمنين، ولكنني أسميه دليلًا؛ لأن طاعة سنتهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بسنتي ) الحديث [2] .
(1) نهاية صفحة 26
(2) قال ابن تميم الظاهري: ليس اتفاق الخلفاء الأربعة علي شيء يوجب أنه حجة يجب اتباعها للحديث الذي ذكره الشيخ حفظه الله، فالحديث ليس فيه أن سنتهم هي مخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وليست سنتهم مخالفة لأمر الله تعالى أن لا نقول شيئًا إلا عن علم وبرهان، وليست مخالفة لأمر الله تعالى في أن الدين قد كمل، وليست مخالفة لأمر الله تعالى من أن التشريع من عند الله فقط، ولو خصهم بشيء من التشريع لبيّن لنا ذلك، وليس في هذا الحديث بيان من هذا النوع.
فإما أن تكون سنة النبي صلى الله عليه وسلم الشرعية والتي فيها تشريع ديانة هي سنة الخلفاء من بعده، وهذا ما نقول به، وإما أن تكون بخلاف هذه السنة، وهذا لا يجوز ظنه أصلًا في أحدهم رضي الله عنهم.
أما إذا كانت السنة بمعنى السياسة والطريقة التي كان يسير عليها النبي صلى الله عليه وسلم مما هي ليست شرعًا أو تشريعًا: فهي السيرة الفاضلة بلا شك، فإن أمضوا شيئًا ليس فيه تشريع: فهو مقبول منهم، ويمكن العمل به بعدهم إذا رأى الإمام مصلحة ذلك، وإن رآه لا يصلح: أبطله، إذ ليس هذا من التشريع في شيء، وإنما هو بتقييد بعض المباح مثلًا ليعم نفعه للجميع ونحو ذلك مما يسوس الإمام به الرعية.
فلا وجه لجعله من الإجماع الذي أمرنا باتباعه، ولا دليلًا أيضًا، إذ ليس في سنتهم المذكورة في الحديث تشريع وديانة.