الصفحة 106 من 138

... ومما يؤكد هذا المعنى للمصالح المرسلة عند الشاطبي قوله (1) :"فإنا لو فرضنا حفظ القرآن والعلم مطردًا بغير كتب لصح ذلك، وكذلك سائر المصالح الضرورية يصح لنا حفظها". فإن كتابة المصحف وكتابة العلم من أحاديث وفقه وغير ذلك، هي من الأساليب اللازمة لحفظ القرآن وحفظ العلم، فلو افترضنا أن حفظ القرآن وحفظ العلم ممكن بأسلوب آخر غير الكتابة لكان ذلك مقبولًا شرعًا. فكأن الشاطبي يقول: حفظ القرآن وحفظ العلم هو الفرض، ولا بد من اتخاذ الأسلوب اللازم لذلك، وإن لم ينص عليه دليل خاص، وعدم وجود نص خاص يجعل ذلك الأسلوب مصلحة مرسلة، وإن لم يوجد إلا أسلوب واحد، فذلك الأسلوب فرض من باب (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) ، وإن وجد أكثر من أسلوب فأي واحد منها اتخذ صح. وزيادة في التأكيد والتوضيح، انظر قوله في نفس النص (2) :"كما أنا لو فرضنا حصول مصلحة الإمامة الكبرى بغير إمام على تقدير عدم النص بها لصح ذلك وكذلك سائر المصالح الضرورية". فهو يرى أن فرضية وجود الخليفة دل عليها النص، ودلت عليها قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. أما القاعدة فلأنه لا يمكن تطبيق الإسلام بدون خليفة ولما كان تطبيق الإسلام فرضًا، كان وجود الخليفة فرضًا، فرأي الشاطبي أنه لولا وجود النص على فرضية الخلافة، لكان الفرض هو تطبيق الإسلام وتطبيق أي أمر لازم له، فلو كان تطبيق الإسلام ممكنًا بغير وجود الخليفة، أي بأسلوب آخر، لكان المطلوب شرعًا بحسب قاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به...) هو أحد الأمرين: إما وجود الخليفة أو ذلك الأسلوب، وحينئذٍ يكون نصب الخليفة أو ذلك الأسلوب مصلحة مرسلة. وهذا فيما لو لم يكن هناك نص على الإمامة.

(1) الاعتصام، ص 78.

(2) الاعتصام، ج2، ص78.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت