فهرس الكتاب
... والشاطبي لا يرى أن المصلحة هي ما يقرره العقل، وإنما المصلحة هي الفعل الذي أمر به الشارع. فإذا علمنا الفعل مأمورًا به من قبل الشارع علمنا حينئذٍ أنه مصلحة، وكذلك علمنا أن ما يؤدي إليه فهو مصلحة، وكذلك يقال عن المفسدة، فالمصلحة هو ما جعاه الشرع مصلحة، وليس ما يميل إليه العقل، أو الهوى أو النفس. يقول:"المصالح المجتلبة شرعًا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقوم الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية"ويستدل على ذلك بأمور أذكر واحدًا منها. فيقول:"إن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين من دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادًا لله. وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس، وطلب منافعها العاجلة كيف كانت، وقال ربنا سبحانه: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) (1) ."
... فمن هذا نعرف ما يقصده الشاطبي بالمصلحة، وهذا هو المعنى الذي أراده الأئمة والعلماء من السلف الذين تحدثوا عن جلب المصالح ودرء المفاسد ووضعوا القواعد الفقهية في ذلك، وليس على غرار ما يقوله بعض المعاصرين تسويغًا للفتاوي المعاصرة وتحليلًا لبعض ما حرم الله، متخذين المصالح كما يرونها بعقولهم مصدرًا للتشريع.
... وقد بسط الشاطبي وناقش في كتابه الاعتصام عشرة أمثلة على المصالح المرسلة تؤكد لنا دراستها هذا المعنى المذكور للمصالح المرسلة عنده. وهذه هي الأمثلة:
جمع المصحف ونسخه. قال فيه (2) :"فإن ذلك راجع إلى حفظ الشريعة والأمر بحفظها معلوم، وإلى منع الذريعة للاختلاف في أصلها الذي هو القرآن وقد علم النهي عن الاختلاف في ذلك بما لا مزيد".
(1) راجع روح المعاني للألوسي وانظر بقية الآية.
(2) الاعتصام، ج2، ص