الصفحة 109 من 138

... ... أما ما ذهب إليه القرافي فإنه يدل على أنه لم يقصد بالمصالح المرسلة شيئًا بعيدًا عما أراده الشاطبي، وأنه لم يقصد جعل المصالح المرسلة مصدر تشريع. والذين ردوا المصالح المرسلة ردوها كأصل من الأصول أو كحكم شرعي ليس له دليل إطلاقًا، أي لا جزئي ولا كلي، كما يفهم من كلمة مرسلة. ولاختلاف معنى المصالح المرسلة عند رادّيها عن معناها عند الآخذين بها، وجب التحقيق في هذا الأمر. والقرافي يستغرب أن ينسب القول بالمناسب المرسل إلى مالك والمالكية، وأن يرده من سواهم، بينما -في الواقع- الجميع يقولون به -حسب رأيه-. يقول (1) :"والذي جُهِل أمره هو المصلحة المرسلة، التي نحن نقول بها، وعند التحقيق هي عامة في المذاهب". وقال (2) :"وهي عند مالك حجة". وقال (3) :"وأما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا، وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا وفرقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهدًا بالاعبتار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذٍ في جميع المذاهب". وضرب أمثلة على المصالح المرسلة من أعمال الصحابة، مستغربًا أن يُنْكَر على المالكية القول بها، بل قال إن الذين أنكروها عليهم أخذوا بها. وهذا يدل على اختلاف المعنى الذي يقصده عن المعنى الذي أنكروه. قال (4) :"وقد تقدم أن المصلحة المرسلة في جميع المذاهب عند التحقيق لأنهم يقيسون ويفرقون بالمناسبات ولا يطلبون شاهدًا بالاعتبار، ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك. ومما يؤكد العمل بالمصلحة المرسلة أن الصحابة رضوان الله عليهم عملوا أمورًا لمطلق المصلحة لا لتقدم شاهدٍ بالاعبتار نحو كتابة المصحف ولم يتقدم فيه أمر ولا نظير، وولاية العهد من أبي بكر لعمر رضي الله عنهما ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير، وكذلك"

(1) شرح تنقيح الفصول، ص 394.

(2) المصدر نفسه، ص 446.

(3) المصدر نفسه، ص 394.

(4) المصدر نفسه، ص 446- 447.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت