فهرس الكتاب
... يرد الإمام عز الدين بن عبد السلام التشريع بناء على المصالح المرسلة. والمصالح المرسلة عنده هي الأحكام الشرعية. يقول (1) :"معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل"، ثم يقول (2) :"ولا نسبة بمصالح الدنيا ومفاسدها إلى مصالح الآخرة ومفاسدها، ثم يقول (3) :"أما مصالح الدارين وأسبابها ومفاسدها فلا تعرف إلا بالشرع". ولذلك فالخلاصة عنده أن المصالح والمفاسد لا تعرف إلا بالشرع، لأن مصالح الدنيا ومفاسدها، أي المصالح بحسب الهوى أو تقرير العقل ليست بشيء بالنسبة إلى مصالح الآخرة ومفاسدها. ومصالح الآخرة ومفاسدها لا تعرف إلا بالنقل. وعليه فالمصلحة هي ما طلبه الشرع والمفسدة هي ما نهى عنه الشرع. وهذا غاية القول في عدم عدّ المصلحة مصدرًا أو أصلًا للتشريع. وهذا ما يوضح أن استعمال كلمة المصلحة عنده ليس للدلالة على المصلحة بالرأي أو الهوى أو العقل، وإنما المصلحة عنده هي الحكم الشرعي وما يقتضيه الحكم الشرعي. بل إذا ترك الأمر للعقل فقد يقرر مصالح أو مفاسد بينما هي في الشرع عكس ذلك، والاعتبار للشرع فقط. ولذلك لا تجد عنده أي أهمية لتسمية الشيء مفسدة أو مصلحة، بل إن بعض ما طلبه الشرع يسميه مفسدة، وبعض ما نهى عنها الشرع يسميه مصلحة فيقول مثلًا (4) :"وربما كان أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها أو تباح لا لكونها مفاسد بل لكونها مؤدية إلى المصالح، وذلك كقطع الأيدي المتأكلة حفظًا للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد، وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد بل لكونها المقصودة من شرعها كقطع يد السارق وقطع الطريق وقتل الجناة ورجم الزناة وتغريبهم، وكذلك التعزيرات. كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقية، وتسميتها بالمصالح من مجاز تسمية السبب باسم المسبب"."
(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ص 13.
(2) المصدر نفسه، ص 14.
(3) المصدر نفسه، ص 13.
(4) المصدر نفسه، ص 14.