الصفحة 126 من 138

... فإن قيل: إن قولك معارَض بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها. وعفا عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" (1) ، وكذلك ما رواه ابن ماجة والترمذي عن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال:"الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم". فهذه النصوص تدل على أنه قد عفي لنا عما لا نجد عليه دليلًا، وبالتالي فلا ذم ولا عقوبة، وأن هناك أشياء قد سكت الشارع عن بيانها، وبناء عليه يصح الاستدلال بعدم المخالفة للقرآن، والسنة، والإجماع، والقياس على الأمور الواقعة في منطقة العفو، وهي الوقائع التي لا حكم لها. أقول: إن هذه النصوص يجب أن لا تفهم بشكل يتعارض مع غيرها من النصوص، والقول إن ثمة أمورًا أو وقائع لا حكم لها يخالف النص القطعي: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء) (2) ، ويعني أن الشرعية ناقصة، ويخالف النص القطعي: (اليوم أكملت لكم دينكم) (3) . وهذه نصوص قطعية، وتلك أخبار آحاد، وعند التعارض يرجح القطعي. فلزم أن تُفهم مدلولات الحديثين وما كان مثلهما على غير هذا الوجه. ولذلك فالشريعة حاوية لأحكام كل الوقائع، والسكوت ليس بمعنى عدم وجود حكم، أو عدم وجود بيان. وإنما هو سكوت عن التحريم تخصيصًا لما قد أبيح بدليل الإباحة العام. وسكوت عن زيادة التفصيل والبيان لما سبق بيانه. وهاك الأمثلة للتوضيح:

(1) ذكره الشاطبي بهذا النص في الموافقات، ج1، ص101.

(2) النحل، 89.

(3) المائدة، 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت