فهرس الكتاب
بالنسبة للسكوت عن التحريم تخصيصًا لدليل الإباحة العام، فقد دلت النصوص على أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم، والمقصود بالأشياء هنا الأعيان، فعدم وجود نص يدل على حكم شيء معين، ليس معناه سكوت الشارع عنه، وإنما يعني سكوته عن تحريمه، ويكون حكمه مبينًا بالقاعدة الشرعية الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم. ومن هذا القبيل كان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم، فَحُرِّمَ من أجل مسألته" (1) . فقوله لم يحرم أي إنه مندرج تحت أفراد المباح بالقاعدة العامة. وقوله"فحرم"أي نزل نص خاص به يخصص القاعدة العامة.
بالنسبة للسكوت عن زيادة التفصيل والبيان فيما سبق بيانه. وهو كأن يأتي النص مبينًا لحكم فعل معين، كقوله تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة) (2) ، فإطلاق الرقبة هو عدم بيان لها هل هي رقبة مؤمنة أو كافرة، رقبة أنثى أو ذكر، رقبة صبي أو بالغ، وهذا ليس سكوتًا عن بيان الحكم، وإنما هو سكوت عن تقييد الحكم أي سكوت عن زيادة البيان، وإذا لم يبين لنا الشارع هنا نوع الرقبة المطلوب إعتاقها، تكون أيُّ رقبة مجزئةً. ويكون عدم البيان هو العفو.
ومثاله أيضًا ما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) (3) . فإنهم لو ذبحوها دون أي سؤال لأجزأ ذبحهم لأي بقرة. فإذا ذبحوا بقرة وكانت فارضًا ، أو بكرًا، أو ليست صفراء، أو فيها شية، أي ليست منطبقة على الأوصاف التي طلبت منهم فيما بعد، فسيكون عملهم مجزئًا، وفعلهم مَعْفُوًّا عنه. فعدم البيان هنا ليس من قبيل وجود واقعة لا حكم لها، وإنما هو من قبيل عدم زيادة التفصيل والبيان لما سبق بيانه.
(1) رواه البخاري في كتاب الاعتصام.
(2) المجادلة، 3.
(3) البقرة ، 67.