فهرس الكتاب
أفعال بين أحكامها الشارع ولكنه لم يقيدها بزيادة تفصيل أو بيان ما يمكن أن يسأل عنه السائل، كالأمثلة التي ذكرناها، وكمثل قوله تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) (1) فقوله: (اقتلوهم) يحصل بالقتل سواء كان القتل بدس السم أو طعنًا بالخنجر أو رميًا بالرمح، أو خنقًا بالحبل أو باليد، أو ذبحًا بالسكين أو بإطلاق رصاصة أو بتفجير قنبلة أو غير ذلك، فعدم البيان لكيفية القتل هو عدم زيادة البيان. وترك البيان هنا هو العفو. ولو سأل سائل هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنقتلهم بطريقة كذا أو بطريقة كذا، لكان سؤاله مستدعيًا لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدث في حديث الحج. وفي مثل هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ذروني ما تركتكم".
والسكوت عن زيادة البيان ليس موجودًا في كل الأحكام، فإنا نلاحظ أن بعض الأحكام كالصلاة والحج ليس فيها مجال لزيادة البيان والله أعلم. فلو قال الشارع مثلًا"أقيموا الصلاة"من غير تفصيل لظل الأمر مجملًا ولأجزأت الصلاة كيفما كانت، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد زاد البيان وفصل الأمر بأحاديثه وبقوله"صلوا كما رأيتموني أصلي" (2) . فليس فيها مجال لزيادة التفصيل والبيان، وأي تغيير فيها أو زيادة يُعَدّ بدعة ويخضع لقوله صلى الله عليه وسلم:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ".
... وعليه فلا تخلو واقعة من حكم، والحكم يدل الدليل على نوعه من ضمن الأنواع الخمسة، والقول بما لا يخالف ليس صوابًا.
... ولا بد لي أن أشير إلى أني لا أتحدث عن حكم الفعل فيما إذا استفرغ المجتهد وسعه ولم يستطع الوصول إلى الظن بحكم له.
(1) البقرة/ 191، النساء/ 91.
(2) رواه البخاري في كتاب الصلاة.