الصفحة 51 من 138

إن الواقع يتغير ويتطور باستمرار والمستجدات مما يحتاج إلى أحكام لا نهاية لها ولا حصر. أما النصوص أو الأصول الجزئية فهي محدودة متناهية، والمتناهي لا يفي بغير المتناهي، فلزم وجود طريق لإثبات الأحكام الجزئية، وهذا الطريق هو المصالح استنادًا إلى مقاصد الشرع على نحو كلي. ويقول بعض المحدثين (1) :"قد يؤدي تغيير أخلاق الناس وذممهم وأحوالهم إلى أن يصير مفسدة ما كان مصلحة. فلو لم يفتح للمجتهدين باب التشريع بالاستصلاح لضاقت الشريعة الإسلامية عن مصالح العباد، وقصرت عن حاجاتهم، ولم تصلح لمسايرة مختلف الأماكن والأزمان والبيئات والأحوال. وهذا خلاف المعهود فيها من المرونة والشمول والاتساع" (2) .

"إن أصحاب النبي عملوا أمورًا كثيرة لم يتقدم لها شاهد بالاعتبار، وإنما عملوها لمطلق ما وجدوا فيها من مصلحة، ... بل إنهم شرعوا لهذه الحوادث (والأحكام) ما رأوا أن فيه تحقيق المصلحة مما يجلب النفع، أو يدفع الضرر، حسبما أدركته عقولهم" (3) .

ومن هذه الأمور التي يُدّعى أنه قد عملها الصحابة استدلالًا بالمصلحة المرسلة:

(1) أثر الأدلة المختلف فيها، ص 55. وانظر حجية المصالح المرسلة.

(2) المصدر السابق.

(3) هذا النص للدكتور مصطفى البغا من كتابه أثر الأدلة المختلف فيها، ص 54، ومثل هذا الكلام يقوله كثير من المعاصرين اليوم. وهذا القول قال بما يقرب منه بعض الأئمة، ولكن لم يكن أحد بجرأة البغا فيقول (لمطلق ما وجدوا فيها من مصلحة) . إذ إن الأئمة بعضهم قيدها بأن تكون جارية بحسب مقاصد الشريعة، وبعضهم قيدها بأن المصلحة هي ما جعله الشرع مصلحة، وسترى ذلك واضحًا فيما يأتي عند حديثنا عن رأي الشاطبي وعن رأي العز بن عبد السلام. قال القرافي في كتابه (شرح تنقيح الفصول) :"ومن المعلوم أن المصلحة المرسلة أخص من مطلق المناسبة ومطلق المصلحة"صفحة 394.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت