فهرس الكتاب
... والواقع أن قوله في المستصفى واضح، ولا داعي للدوران حول النصوص. ففي المستصفى العنوان كالتالي (1) :"ثمّ ما يُظَنُّ أنه من الأصول وليس منها وهو أيضًا أربعة: شرع مَن قبلنا، وقول الصحابي، والاستحسان، والاستصلاح". وقال أيضًا (2) :"فبهذه الشروط التي ذكرناها يجوز اتباع المصالح، ويتبين أن الاستصلاح ليس أصلًا خامسًا برأسه، بل من استصلح فقد شرّع كما أن من استحسن فقد شرّع". أما الالتباس الذي قد يقع فيه البعض نتيجة مثل قوله:"فبهذه الشروط التي ذكرناها يجوز اتباع المصالح"، فيجب أن لا يتخذ ذريعة للقول إنه يقول بالاستصلاح. إذ إن اتباع المصالح أمر طبيعي في الإنسان، والإنسان يسلك بطبعه إلى مصالحه. ولكن موضوع البحث هو في الدليل على الفعل الذي يُقام به قصدًا للمصلحة، هل الدليل هو المصلحة ذاتها؟ فالقول بالمصلحة هو اعتبار لشرعية الفعل بناء على كونه مصلحة، وهذا ما يرده الغزالي. أما إذا دل الشرع على جواز الفعل، فليس ثمة ما يمنع من القيام به بقصد المصلحة. ودلالة الشرع آتية من الأدلة الشرعية وليس من كون المصلحة مصلحة. وهذا -إذن- هو معنى كلامه"يجوز اتباع المصالح". وقوله"الاستصلاح ليس أصلًا خامسًا برأسه"، وقوله:"بل من استصلح فقد شرع". وعليه فالاستصلاح غير معتبر عند الغزالي. وكذلك رد الاستصلاحَ الآمديّ في الإحكام فقال (3) :"إن المصالح تنقسم باعتبار شهادة الشرع لها إلى معتبرة وإلى ملغاة وإلى ما لم يشهد الشرع لها باعتبار ولا إلغاء. وهذا الأخير هو المعَبَّر عنه بالمناسب المرسل". وقال (4) -أي عن المناسب المرسل-:"وهذا القسم متردد بين ذينك القسمين، وليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر، فامتنع الاحتجاج به دون شاهد بالاعتبار يعرف أنه من قبيل المعتبر دون الملغى".
(1) المستصفى، ج1، ص 245.
(2) المصدر نفسه، ص 315.
(3) الإحكام في أصول الأحكام، ج4، ص 160.
(4) المصدر نفسه.