الصفحة 65 من 138

نعم إن للشريعة مقاصد، كما دلت الشريعة نفسها، وهي مقاصد للشريعة ككل وليست لكل حكم. هكذا دلت النصوص التي فهم منها أن للشريعة مقاصد كقوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (1) ، وقوله: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) (2) ، وقوله تعالى: (هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون) (3) . والنظر في هذه النصوص والتدقيق في دلالاتها، يفيد أن الرحمة والشفاء والهدى هي نتائج لقبول الشريعة وتطبيقها، والالتزام بها، ويفيد أن هذه النتائج أو المصالح هي نتيجة لتطبيق الشريعة ككل، فإذا طبقت الشريعة في المجتمع استقام حاله وارتقى وازدهر وكان على الجدة القويمة والصراط المستقيم الذي يهدي إليه القرآن: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) (4) هذا ما تخبر عنه النصوص، وهذا ما حصل في الواقع عندما طبقت هذه الشريعة على الناس، وليس في هذه النصوص ما يدل لا من قريب ولا من بعيد على المصالح، أو أن مقاصد الشارع هي المصالح، فضلًا عن الذهاب إلى أبعد من هذا في الاستدلال فيقال إذا ثبت أن الأمر مصلحة فهو شرع. صحيح أن هذه المقاصد أو الغايات أو النتائج هي في واقعها مصالح للناس، ولكنها ليس كونها مصالح هو الذي دل على الشريعة أو على صحتها أو قبولها. بل الدال على صحتها وأخذها ككل هو العقيدة. وليس في هذه النصوص التي أوردناها ما يدل على أن المصالح تشرع لأنها مصالح. وفوق ذلك فإن هذه النصوص تخبرنا أن شريعتنا شريعة رحمة وشفاء وهدى وصلاح و ... فهي لا تبين لنا ما هي الرحمة ولا ما هو الصلاح... وكذلك ليس في دلالتها إطلاقًا أن المصلحة أساس للشريعة فضلًا عن أن يقال علة للشريعة. وكذلك فإن المعنى الذي يجب أن يفهم ولا يفهم غيره عند قولنا الشريعة رحمة، أو الشريعة هدى، أو الشريعة شفاء، هو أن الأحكام التي فصّلتها الشريعة وبينتها، هي الرحمة وهي الشفاء، وهي

(1) الأنبياء/ 107.

(2) الإسراء/ 82.

(3) الجاثية/ 20.

(4) الإسراء/ 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت