الصفحة 67 من 138

... أقول إن استقراء الشريعة هو استقراء لأحكامها، أي لما أَطْلَق عليه الباحثون"الجزئيات". فقالوا إنهم استقرأوا الجزئيات ووصلوا إلى الحكم الكلي، الذي يطبقونه على كل واقعة تحتاج إلى حكم جزئي. والرد هنا: إنه ليس صحيحًا أن النصوص دلت على المصالح في كل الجزئيات، ودليلي هنا على رد قولهم هو وجود بعض النصوص التي تخرم هذا الكلي عندهم. بل إن كل النصوص التي أوردوها كأمثلة على الاستقراء، ليس في أيٍ منها دلالةٌ على المصلحة، وسأتناول هنا أكثرها. من أدلتهم قوله تعالى: (رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) (1) فإن مقصود الشارع هنا أن لا يكون للناس على الله حجة، وهي ليس فيها دلالة على المصلحة لا منطوقًا ولا مفهومًا. وأكثر من ذلك فليس فيها مصلحة للعباد بحسب العقل، وليس فيها مصلحة من قبيل ما يُعَدُّ مناسبًا أو ملائمًا تتلقاه العقول بالقبول، وكذلك ليس فيها وصف مناسب يفيد أو يُشْعر بالعِلِّيّة. فيسقط الاستدلال بهذا النص. وعلاوة على ذلك، كيف وجد القائلون بالمصالح مصلحة للناس في هذا النص؟ أيهما الأفضل للناس: أن يكون لهم حجة أو أن لا يكون؟ أليس الأفضل -وبالتالي المصلحة- أن يكون لهم حجة فينجون من العذاب كأهل الفترة. وكذلك من أمثلتهم على الاستقراء قوله تعالى: (وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملًا) (2) ، وقوله: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا) (3) . فإذا كان مقصود الخالق من خلق السماوات والأرض ومن خلق الموت والحياة ابتلاء الناس أيهم أحسن عملًا، فأين دلالة النص على أن مقصود الشارع هو المصلحة؟ ليس في النص هكذا دلالة. ومثلما قلنا في النص السابق نقول هنا، فهل إن العقل يرى أن ابتلاء الناس مصلحة للناس؟ فليس ثمة طريق إلى هذا القول. وهل للعقل أن يحكم بأن المصلحة للعباد أن يُخلقوا

(1) النساء/ 165.

(2) هود/ 7.

(3) الملك/ 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت