فهرس الكتاب
... وأما قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) (1) فهذا النص أيضًا لا يدل على المصلحة لا منطوقًا ولا مفهومًا، وليس فيه ما يدل على أن التشريع غايته المصلحة ولا دافعه أو الباعث عليه المصلحة. وإنما العقل هو الذي يرى أن العدل مصلحة، وأن الفحشاء والمنكر والبغي مفسدة. وهذه الألفاظ لا يصح أن يفهم منها شيء إذا لم ترتبط بأساس تفهم قياسًا عليه. ألا ترى أن الشرائع الوضعية والمحرفة عندها ما تسميه العدل، وعندها ما يسمى الفحشاء والمنكر، وعندها ما يسمى الحق والباطل، ومع ذلك لو نظرنا إلى حقيقة عدلهم وقسناه على شريعتنا لوجدناه عين الظلم، ولوجدنا حقهم باطلًا، وإحسانهم منكرًا... فهذه الألفاظ لا تفهم إلا من خلال ما تدل عليه. وألفاظ العدل والإحسان والفحشاء والمنكر والبغي الواردة في الآية لا يفهم واقع أي منها إلا من خلال ما تدل عليه. وما تدل عليه ليس أحكامًا نعرفها مسبقًا ونعرف أنها عدل أو إحسان، أو فحشاء، أو منكر، أو بغي وجاءت الآية لتقول إن هذا الذي تسمونه عدلًا جئت لآمركم به، وهذا الذي تسمونه منكرًا جئت لأنهاكم عنه! كلا، ليس كذلك. بل إن الآية تأمر بالعدل الذي بينته الشريعة في مواضع أخرى أنه العدل، وتنهى عن المنكر الذي بينته النصوص الأخرى أنه المنكر، وكذلك قل بالنسبة للإحسان وبالنسبة للفحشاء وللبغي. وهذا الذي أمر به الشارع هو العدل، والذي نهى عنه هو المنكر، ليس لأن العقل نظر ووجد أن ما يأمر به الشارع يتطابق مع ما يقره العقل أنه عدل أو إحسان أو معروف، وما نهى عنه يتطابق مع ما يقره العقل أنه فحشاء ومنكر وبغي، وإنما لأن الأمر آتٍ من عند الخالق وهو وحده صاحب الأمر والنهي. وإليه وحده يرجع التحسين والتقبيح. أما ما ذهب إليه البوطي عند استدلاله بهذه الآية على المصلحة بقوله:"إن العدل هو الخط المستقيم بين طرفي"
(1) النحل /90.