فهرس الكتاب
... وبهذا يسقط الاستدلال باستقراء الشريعة على أن مصالح العباد أصل في التشريع، ويسقط القول بجعل الشارع جنس المصالح في جنس الأحكام، فالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة متعلقة بفعل معين للعبد، فهي الدليل الشرعي على حكم الشرع في هذا الفعل، وهي ليست متعلقة بالمصلحة والمفسدة، فالله تعالى حين يقول: (فرهان مقبوضة) (1) وحين يقول: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) (2) وحين يقول: (وأشهدوا إذا تبايعتم) (3) ، إنما يبين حكم الرهن وحكم كتابة الدين، وحكم الشهادة عند البيع، ولم يبين أن هذا مصلحة أو ليس بمصلحة لا صراحة ولا دلالة، ولا يؤدي النص أن هذا الحكم مصلحة أو ليس بمصلحة لا من قريب ولا من بعيد، ولا بأي وجه من الوجوه.
الدليل الثاني: إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم معاذًا حين أرسله إلى اليمن أن يجتهد رأيه إذا لم يجد الحكم في كتاب الله ولا في سنة رسوله.
فهذا استدلال في غير محله. وليس في الحديث ذكر للمصلحة، وإنما يتخذ الحديث -إن صح- حجة على جواز الاجتهاد، وليس في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقٌر معاذًا على الاجتهاد بناءً على المصلحة، لا منطوقًا ولا مفهومًا، وإنما فيه إقرار لمعاذ أن يجتهد رأيه ليحكم بما يؤديه إليه هذا الاجتهاد إذا لم يجد الحكم في الكتاب ولا في السنة، ولم يقل معاذ إنه يحكم برأيه، وإنما قال: أجتهد رأيي. وهذا معناه أنه إذا لم يجد الحكم صريحًا لا في الكتاب ولا في السنة فسيبذل جهده لاستنباطه. وحتى لو قال: أحكم برأيي، فليس في الحديث ما يدل على أن حكمه برأيه سيكون بناءً على المصلحة. ومن أين يأتي الفهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر الاستصلاح أو المصالح المرسلة بهذا الحديث؟ هذا تحكم بلا دليل.
(1) البقرة / 283.
(2) البقرة /282.
(3) البقرة / 282.