فهرس الكتاب
... وهذا القول أي الالتفات إلى المعاني في العادات، معناه لا ينطبق على حقيقة المعنى الذي قصده منه قائلوه. فهم قصدوا أن أحكام الأفعال الخارجة عن العبادات يجب أن تعلل. وحقيقة معناه أن هذه الأفعال يبحث لها عن معنى، وهذا غير صحيح. فالسرقة أو الزنا أو الصلاة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي أفعال لا يبحث عن معانيها، وإنما يطلب لها الحكم. وكذلك إذا قلنا إن المعاني هي العلل- وهو مقصد أصحاب هذا القول- فهذا أيضًا لا يصح، إذ إن الأفعال لا يبحث لها عن علة، والعلة في الشرع هي علة الحكم المتعلق بالفعل، وليست علة الفعل. فالإلهاء عن الصلاة هو علة الحكم وهو تحريم البيع عند النداء للصلاة من يوم الجمعة، وهو -أي الإلهاء- ليس علة للبيع أو لعدم البيع. أما ما قصدوه وهو أن أحكام الأفعال الخارجة عن العبادات يجب أن تعلل، فهذه الأحكام تفهم من النصوص أو مما يصلح للاستدلال، وهذه منها ما جاء معللًا سواء كانت العلة تؤخذ صراحة أو دلالة أو استنباطًا أو قياسًا، ومنها ما جاء غير معلل، وما كان كذلك فليس لبشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلله. والتعليل -في كل حال- يؤدي إلى القياس وليس إلى القول بالمصالح المرسلة. أما إذا قيل إن المعاني هي المصالح أو جنس المصالح الموجودة في الأحكام، فهذا راجع إلى دليلهم الأول وقد أبطلناه. واختصار الرد هنا هو أن المصالح ليست معنى للحكم ولا للنص الدال على الحكم، أما الفعل الذي يطلب له الحكم، فهذا ليس فيه معنى يلتفت إليه عند تشريع الحكم سوى فهم واقعه، وبعد ذلك يعطى الحكم المتعلق به من النصوص وليس من واقعه، إذا واقعه ليس فيه دلالة على شيء.