فهرس الكتاب
... ... أما ما قالوه إن هذه المعاني والبواعث هي مصالح يدرك فيها العقل حسن ما أمر به الشرع وقبح ما نهى عنه، فقد سبق وقلنا إن هذه التسمية (مصالح) هي تَجَوُّز من الإنسان وليس من الشارع. ولذلك لا قيمة شرعية لها سواء سميت مصالح أو غير ذلك. والقول إن العقل يدرك من هذه المصالح حسن أمر به الشرع وقبح ما نهى عنه غير صحيح، لما بيّناه سابقًا عند حديثنا عن العدل والإحسان والمنكر وعند حديثنا عن الرحمة والشفاء (1) . وإضافة إلى ذلك فإن هذه المقاصد، إذا دل عليها النص، هي نتائج قد تنتج وقد تتخلف، فهل إذا تخلفت يدرك الإنسان منها العكس، أي يدرك حسن ما نهى عنه الشرع وقبح ما أمر به! هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى فإن الحسن والقبح ليسا داخلين ضمن ما يدركه العقل. فقد ينتج ما يحبه الإنسان وقد ينتج ما يكرهه، ولكن التحسين والتقبيح لا يتبعان ما يحب الإنسان أو ما يكره، ولا ما يستحسن أو يستقبح. قال تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم) (2) . أما القول إن الله سبحانه وتعالى"أوجب علينا ما تدرك عقولنا نفعه وحرم علينا ما لا تدرك عقولنا ضرره"فهو ظاهر الفساد والبطلان، ولو كان الأمر كذلك فما حاجتنا إلى شريعة الإسلام إذن؟ بل إن الله أوجب علينا أشياء قد لا ندرك منها نفعًا ولا ضرًا، وحرم علينا أشياء قد لا ندرك منها نفعًا ولا ضرًا. وحكم علينا بتكاليف لا ندرك منها سوى أن علينا السمع والطاعة وهذا هو معنى العبودية لله. وهذا القول:"أوجب علينا ما تدرك عقولنا نفعه وحرم علينا ما تدرك عقولنا ضرره"باطل وليس من الإسلام في شيء.
(1) راجع صفحة 77-78، 80-81.
(2) البقرة 216، وقال تعالى في سورة النساء آية 19: (فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا) .