الصفحة 78 من 138

إن هذا العمل ليس فيه ما يدل على أن المصلحة كانت دليلًا على جوازه. وهل قال أحد من الصحابة إنهم استدلوا على هذا العمل بالمصلحة المرسلة؟ فأمر أبي بكر بجمع القرآن وأمر عثمان بنسخ المصحف، وإحراق سائر المصاحف، تدل حادثته على أنه إزالة لضرر عظيم. فإنه لما كثر القتل في حفاظ القرآن، وخيف على القرآن من الضياع إن استمرّ القتل في القراء أي حفاظ القرآن رأوا جمع القرآن. ووقوع الاختلاف في قراءة القرآن باختلاف نسخ المصاحف خيف أن يحصل من جرائه اختلاف في القرآن بين المسلمين، ولذلك قال حذيفة بن اليمان لعثمان: أدرك المسلمين قبل أن يختلفوا. فأمر بنسخ المصحف في نسخة واحدة وأحرق ما سواها، فهذا كله ضرر أزاله خليفة المسلمين، وهذا ليس مصلحة عمل بها من عنده، وإنما لأن الرسول أمر بإزالة الضرر،فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر ولا ضرار" (1) فما فعله أبو بكر وعثمان هو إزالة ضرر، وفعله كل منهما استنادًا إلى السنة وليس لمجرد أنه رأى أن ذلك مصلحة.

... فإن قال قائل إن إزالة الضرر مصلحة. أقول: نعم، ولكن المصلحة لم تكن دليلًا على الفعل، وإنما دليله هو الحديث، والواقع الذي أرادوا دفعه بفعلهم لم يكن هو الدليل، لأن الدليل قائم في دلالة النص. أما الواقع فهو المناط الذي انصبّ الحديث عليه. ولذلك يغلب على الظن أن تريّث أبي بكر في قبول قول عمر كان للتحقق من المناط.

... وإن قال قائل: لماذا تستدل على عملهم بالسنة ولم يصرحوا بذلك وترفض الاستدلال بالمصلحة لأنهم لم يصرحوا بذلك؟ فالجواب إننا نعلم بالقطع أن السنة دليل، ونعلم بالقطع أيضًا أنهم يستدلون بها. أما المصلحة المرسلة فلم تثبت دليلًا فلا يصح جعلها دليلًا لهم لا في هذه الحادثة ولا في غيرها.

استخلاف أبي بكر لعمر.

(1) رواه ابن ماجة في كتاب الأ؛كام، باب 17. وفي روايات: لا ضرر ولا إضرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت