فهرس الكتاب
ويقولون: ليس له من سند ظاهر سوى المصلحة (1) . إن الموضوعية تفيد أن المصلحة لم تكن سندًا لفعل أبي بكر لا ظاهرًا ولا خفيًا. والمصلحة يمكن أن نطلقها على النتيجة التي توخاها أبو بكر من فعله. وليست الدليل على فعله، أما الدليل على فعله فهو السنة، فقد دلت السنة على إباحة هذا الفعل. فمعلوم أن المسلمين يختلفون هل عين الرسول صلى الله عليه وسلم الإمام من بعده أو لا. فيذهب بعض السنة إلى أنه نص على إمامة أبي بكر، فقال في مرض موته:"مروا أبا بكر فليصل بالناس" (2) . ويقول غيرهم إنه لم يعين أحدًا للخلافة، وإنما أمْرُهُ أبا بكر بالإمامة كان ترشيحًا له للخلافة. وذلك لدلالة النصوص على أن الإمام لا يصير إمامًا إلا ببيعة الانعقاد. وهذا الأخير هو الراجح. فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرشح أبا بكر للخلافة، فهذا دليل لأبي بكر على ترشيح عمر رضي الله عنهما. وفعل أبي بكر ليس سوى ترشيح لعمر، وتوجيه للمسلمين إلى ما هو الأصلح لهم، وعمر لم يصبح خليفة إلا بالبيعة بعد وفاة أبي بكر. ولا يمكن جعله خليفة باستخلاف أبي بكر له، لأنه لو كان كذلك لصار خليفتان للمسلمين في وقت واحد، وهذا لا يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" (3) فهذا الفعل من أبي بكر دليله فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وليس المصلحة. أما ما توخاه من الفعل سواء أكان المصلحة أم الأصلح أم دفع الضرر، فهذه نتيجة يريدها، وليس لها قيمة في التشريع، ولكن الفعل الذي يُنْظَرُ إليه، هو ما يُسْلَكُ إلى النتيجة، سواء كانت نفعًا ومصلحةً وخيرًا أو دفع ضرر وفساد وشر. فالفعل
(1) راجع ص 64.
(2) رواه البخاري في كتاب الاعتصام، ويذهب الاثنا عشرية إلى أنه صلى الله عليه وسلم نص على إمامة علي كرم الله وجهه. ويستدلون على ذلك بأدلة عقلية لا تصلح للاستدلال وبأحاديث ضعيفة. ويجعلون إمامة علي جزءًا من عقيدتهم.
(3) رواه مسلم في كتاب الإمارة.