الصفحة 81 من 138

... لما توسعت الدولة الإسلامية وكثر المسلمون في عهد عمر-وهو راعي المسلمين ومسؤول عن رعايتهم- صارت أحوالهم وشؤونهم بحاجة إلى ضبط وحفظ وتسجيل، وذلك من أجل القيام برعاية شؤونهم حسب أحكام الشرع، ولذلك استحدث عمر هذه الوسائل والأساليب، للقيام بالواجب وهو تطبيق الإسلام، فإذا تعذّر تطبيق الإسلام ورعاية شؤون المسلمين إلا بهذه الأساليب والوسائل أو ما هو مثلها، فإنه يصبح اتخاذها أو اتخاذ ما هو مثلها واجبًا للقاعدة الشرعية:"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". فيكون دليل الفعل هو الشرع، أما المصلحة فهي النتيجة المتوخاة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الشرع دل على إباحة هذه الأشياء التي استحدثها عمر، فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم. فالشرع مثلًا قد أمر بجباية الأموال من زكاة وخراج وجزية وغير ذلك، وأمر بصرفها في وجوه معينة، فإذا كثرت الأموال وتعددت جهات مصادرها وجهات إنفاقها، وكثر الذين تجب في أموالهم الزكاة أو الخراج أو العشر فحينئذٍ يصبح التنظيم واجبًا لتمام تطبيق الإسلام وليس للمصلحة. أما استعمال أشياء معينة أو وسائل وأساليب معينة دون غيرها لأجل هذا التنظيم وهذه الرعاية فإن الاختيار يقع على ما يوصل إلى المطلوب على أحسن وجه كما يرى صاحب أمر الرعاية وهو الخليفة أو الإمام. ولكنه ملزم بالاختيار من ضمن ما أباح الله وباجتناب ما حرّم، حتى ولو وُجِدَ أنه أكثر توصيلًا إلى المطلوب. وهذه الأشياء التي استحدثها عمر مباحة بدليل الأصل في الأشياء، إذ لا دليل على حرمتها. أما الأفعال التي كانت تقع على هذه الأشياء فهي تطبيق الإسلام نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت