الصفحة 82 من 138

... أما اتخاذ عمر رضي الله عنه للسجن، فقد كان دليله فعل الرسول صلى الله عليه وسلم. وانظر ما قاله عبد الرحمن المالكي (1) :"-الحبس: الحبس الشرعي هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء أكان ذلك في بلد، أم في بيت، أم في مسجد، أم في سجن معد للعقوبة أم غير ذلك، والدليل على أن الحبس عقوبة من عقوبات الشرع ما روي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده:"أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلًا في تهمة ثم خلّى عنه"وعن أبي هريرة:"أن النبي صلى الله عليه وسلم حَبَسَ في تهمة يومًا وليلة". وكان الحبس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في بيت، أو في مسجد، وكذلك الحال كانت على أيام أبي بكر، فلم يكن هناك حبس مُعَدّ للخصوم، فلما كانت أيام عمر اشترى دارًا لصفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، وجعلها حبسًا، وقد حبس عمر الحطيئة على الهجو، وحبس صبيغًا على سؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات وشبههن.."فالحبس قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. واتخاذ السجن بشكل دائم هو لتمام تطبيق الإسلام لما كثر المسلمون واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، فهو مثل إنشاء الدواوين لنفس السبب. فهو لتطبيق عقوبات الإسلام. وكذلك يقال عن كل ما يستحدث لأجل التنظيم وحسن رعاية شؤون المسلمين، وحسن تطبيق الإسلام، كالتأريخ بالهجرة أو غيرها، وكذلك يقال في الوسائل والأشياء المستحدثة كالسيارة والطائرة والآلة والمصنع والهاتف والمذياع، والتلفاز، والصاروخ... فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم، ففعل السفر مباح، والوسيلة شيء مباح ما لم يرد الدليل على حرمته، ولذلك يجوز ركوب الدابة والسيارة والطائرة، ولكن لا يجوز ركوب الخنزير مثلًا، ليس لأنه لا يصلح لذلك بل لأن الدليل حّرمه، وتحريمه كان تحريمًا لكل وجوه الانتفاع به.

هـ - تضمين الصناع (2)

(1) نظام العقوبات، ص 162.

(2) راجع ص 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت