الصفحة 83 من 138

قال به الشاطبي، ومن المُحْدَثين قال به البوطي ونسب العمل به إلى الصحابة والتابعين بناءً على المصلحة المرسلة. وقد عَدَّ بعض الكاتبين في الأصول تضمين الصناع من أمثلة الاستحسان. وذكر البوطي أن أبا حنيفة (رضي الله عنه) يجيز الاستصناع بناء على الاستصلاح، وهذا غير صحيح، بل فيه استهتار. فأبو حنيفة يقول بالاستحسان، ويرد الاستصلاح على قول من أصَّلوا على فروعه. وأيًّا كان الأمر فالاستصناع جائز وثابت بالسنة لا بالاستصلاح ولا بالاستحسان. فقد استصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمًا (1) ، واستصنع منبرًا. وكان الناس يستصنعون في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكت عنهم، فسكوته تقرير لهم على الاستصناع (2) . أما بالنسبة لتضمين الصناع، فالمعقود عليه في عملية الاستصناع هو ما يصنع كالخاتم والمنبر والخزانة والسيارة وغير ذلك. وهو على هذا الوجه من قبيل البيع. أما لو أحضر الشخص للصانع المادة الخام وطلب منه أن يصنع له شيئًا، فإنه حينئذٍ يكون من قبيل الإجارة. وعليه فلمعرفة حكم الشرع في التضمين فإنه ينظر إلى المناط لتحقيقه هل هو من قبيل البيع أو الإجارة وتُطَبَّقُ بعدئذٍ أحكام الشرع، فإن كان بيعًا فالصانع ضامن. وإن كان إجارة فلا ضمان على الصانع، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أودعَ وديعةً فلا ضمان عليه" (3) . وجاء أيضًا عن علي رضي الله عنه قال:"لا ضمان على راعٍ ولا على مؤتمن" (4) . والصانع إن أُعطِيَ المادة ليصنع منها أو بها فهو مؤتمن أو أمين، والمادة عنده وديعة سواءً أكانت نسيجًا أم خشبًا أم حديدًا أم غير ذلك.

(1) عن أنس قال: صنع النبي صلى الله عليه وسلم خاتمًا. وعن سهل قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة أن"مُري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن". رواهما البخاري.

(2) النظام الاقتصادي في الإسلام، ص 144.

(3) رواه أبو داود.

(4) المبسوط للسرخسي، ج11، ص 109.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت