الصفحة 85 من 138

وخلاصة القول إن تضمين الصناع لا يجوز. والقول به استصلاحًا أو استحسانًا هو ترك للشرع إلى الهوى. أما قول البوطي (1) :"ووجه المصلحة (أي في تضمين الصناع) أن الناس لهم حاجة إلى الصناعة، وهم يغيبون الأمتعة في غالب الأحوال إلى جانب أنهم في الغالب مجهولو الصنعة والأمانة ويغلب فيهم التفريط وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم مع ذلك لأفضى الأمر إلى أحد شيئين: إما إلى ترك الاستصناع بالكلية، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا شيئًا، فيفتح لهم بذلك باب الكذب والاحتيال واختلاس الأموال، ولذلك كانت المصلحة في التضمين، وهي مصلحة وإن كانت لا تستند إلى شاهد معين من الشرع، إلا أنها لا تعارض أيضًا نصًا أو دليلًا ثابتًا فيه". فقوله هذا هو في الصانع الأجير، وقوله: إنه لا يخالف نصًا؛ قول غير صحيح. لأنه يخالف حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"من أودع وديعة فهلكت فلا ضمان عليه". أما قوله: إن عدم التضمين يؤدي إلى ترك الاستصناع أو فتح باب الكذب والاحتيال واختلاس الأموال، فالجواب عليه إنه يجب تطبيق الحكم الشرعي مهما كانت النتائج التي تراها العقول. أما ترك الاستصناع فلا ضير في ذلك إن كان نتيجة لتطبيق الشرع، وسيكون حينئذٍ هو الخير وهو المصلحة. أما إن كان يؤدي حسب قوله إلى الكذب والاحتيال واختلاس الأموال، فإن الشارع لم يشرع لمنع ذلك ترك الأحكام، وإنما شرع عقوبات تؤخذ من مصادرها. على أنني أرى أن تضمين الصناع يؤدي إلى قلتهم وهذه مفسدة، وعدم تضمينهم يؤدي إلى كثرتهم، ثم إلى تنافسهم فإلى تدنّي الأسعار وإلى ازدهار الصناعة. والصناعة هي عماد الدول اليوم، فالمصلحة في عدم التضمين، فعقل من يا ترى يكون المصدر لتقرير المصلحة التي يشرع بناءً عليها؟

(1) ضوابط المصلحة، ص 356.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت