الصفحة 89 من 138

... وهذا الفعل ليس فيه ما يدل على استدلالٍ بالمصلحة. فإن الشرع قد جعل للخليفة أن يقوم برعاية شؤون المسلمين حسب رأيه واجتهاده. فهو يعين الولاة ويحاسبهم ويعزلهم، وينفق من بيت المال برأيه واجتهاده، ويعقد المعاهدات وينقضها، ويوجه الجيوش للجهاد وغير ذلك مما جعله الشرع له. فتصرفاته كخليفة آتية مما أعطاه الشرع له من حق. وهو إن عَيّنَ مصلحة يريدها، فالعمل الذي يقوم به لحصولها لا يكون حلالًا لأجل تلك المصلحة، وإنما يجب أن يدل الشرع على جوازه. ففعله رضي الله عنه من باب محاسبة الولاة. وهذه المحاسبة قد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إنها من باب النصح للمسلمين والجهد في النصح لهم ورعاية شؤونهم. قال صلى الله عليه وسلم:"ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل الجنة معهم" (1) ومشاطرة عمر للولاة هو لاختلاط أموالهم بالأموال العامة التي استفادوها بالولاية، فأخذ منهم عمر رضي الله عنه ما استفادوه بالولاية. وهذا مثل ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع الذي استعمله على الصدقات. فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حذر من مس الأموال العامة، وشدد في هذا التحذير، وحين رآه من والٍ من ولاته عنفه وخطب الناس في شأنه. عن أبي حميد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل ابن اللتبية على صدقات بني سليم فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاسبه، قال: هذا لكم وهذه هدية أهديت إلى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فهلا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا؟"ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه ثم قال:"أما بعد فإني أستعمل رجالًا منكم على أمور مما ولاني الله فيأتي أحدكم فيقول هذا لكم وهذه هدية أهديت إلي، فهلا جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا؟ فوالله لا يأخذ أحدكم شيئًا بغير حقه إلا جاء"

(1) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت