فهرس الكتاب
... فهذا أيضًا لا يصلح للقول باستدلال الصحابة رضوان الله عليهم بالمصلحة المرسلة. فإن دليل فعل عمر هنا هو القياس. ولله در أبيهم هؤلاء الذي يدّعون أن عمر يريق دماء جماعة من الناس، بل من المسلمين، بغير دليل من الشرع. واللغز الصعب هنا ما يذهب إليه البوطي، فيقول إن دليل قتل الجماعة بالواحد موجود في آيتي القصاص (الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) (1) و (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس...) (2) . ويقول (3) :"إن آية القصاص دالة على أن الجماعة تقتل بالواحد بحكم تنصيصها على العلة، وبحكم وجود العلة كاملة في كل من أفراد الجماعة على حدة. فكيف يقال عن هذا الحكم الذي قضى به عمر وأجمع عليه عامة الفقهاء ما عدا الظاهرية وبعض الحنابلة: إنه حكم معارض للنص؟ بل ولعمري كيف يقول البعض إن دليله الاستحسان أو المصلحة المرسلة؟"هذا كلامه في الصفحة 150 من كتابه"ضوابط المصلحة". ثم بعد ذلك يقول في الصفحة 357:"فتوى عمر بقتل الجماعة بالواحد كان من قبيل المصلحة المرسلة". وهو -البوطي- يأتي بهذه المسألة مثلًا على أخذ الصحابة للمصالح المرسلة، فيقول (4) :"غير أن هذا المستند من المصلحة لا يوجد نص معين يدل عليه ولا شاهد من أصل يقاس عليه، فكان ذلك من قبيل المصلحة المرسلة". ولعمري كيف يستنبط هو الحكم من النص ويقول (5) :"الذي يراه الباحث بعد التدقيق أن كلًا من آيتي القصاص السالفتين يحمل دلالة واضحة على هذا الحكم". ثم يقول ما أوردناه أعلاه من عدم وجود نص ولا شاهد من أصل قياس؟ أما اللغز الصعب فهو أن يستنبط هو الحكم بالنص، ويرى أن عمر -وهو من هو- قد استند إلى المصلحة المرسلة. فهل يريد القول إنه فهمها هو وعَيَّ عنها عمر؟
... والصحيح أن الآيتين ليس فيهما دلالة على قتل الجماعة بالواحد.
(1) البقرة/ 178.
(2) المائدة/ 45.
(3) ضوابط المصلحة، ص 150.
(4) ضوابط المصلحة، ص 357.
(5) المصدر نفسه، ص 149.