الصفحة 94 من 138

... فالرسول صلى الله عليه وسلم بعد عقده الهدنة مع قريش في الحديبية غزا خيبر ففتحها الله عليه وعلى المؤمنين عنوة، وملكه أرضهم وديارهم وأموالهم، فقسم الغنائم والأرضين بعد أن خمسها، وجعل الأرضين ألفًا وثمانمائة سهم، جعلت ثمانية عشر قسمًا كل قسم يشمل مائة سهم. ولأجل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قسم أرض العنوة في خيبر على المسلمين، فإنهم طالبوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقسم أرض السواد عليهم. ولكن عمر رفض النزول عند رأي الصحابة المطالبين بتقسيم الأرض في هذه المسألة. بل إن مما أثر عنه رضوان الله عليه قوله:"اللهم اكفني بلالًا وصحبه"وكان أن استشار الأنصار واستشار المهاجرين ثم قال:"رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها، وأضع عليهم فيها الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدونها، فتكون فيئًا للمسلمين، المقاتلة والذرية ولمن يأتي من بعدهم، أرأيتم هذه الثغور لا بد لها من رجال يلازمونها، أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر لا بد لها من أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم؟ فمن أين يُعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج"ثم قال:"وإن من أحد من المسلمين إلا وله في هذا الفيء حق ونصيب"فوافقوه على رأيه وقالوا جميعًا: الرأي رأيك فنعم ما قلت وما رأيت. إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال، وتجري عليهم ما يتقوون به، رجع أهل الكفر إلى مدنهم..." (1) . فبعض الصحابة كبلال وعبد الرحمن بن عوف والزبير احتجوا لعمر رضوان الله عليهم وعلى الصحابة أجمعين بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم من تقسيمه أرض العنوة في خيبر. ولكنه -أي عمر- رأى أن الأمر قد اختلف وأن هناك جندًا مجندة، وهناك مسلمون كثيرون لم يحضروا المعركة ولم يكونوا من المقاتلة ولهم نسل وذَرارٍ. وهذا كله يحتاج إلى أموال باهظة ونفقات كبيرة، فرأى أن مصلحة المسلمين تقتضي حبس هذه"

(1) كتاب الأموال في دولة الخلافة لعبد القديم زلوم، ص 47 - 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت