الصفحة 97 من 138

... فعمر بن الخطاب رضي الله عنه استدل بالقرآن على جواز فعله، واختار فعلًا جائزًا له أصلًا من بين عدة أفعال مباحة ولكنه اختار ما هو أصلح لأنه خليفة المسلمين، وفرض عليه أن ينصح لهم. والدلالة على إباحة الفعل وإباحة غيره فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو قد قسم الأرض في خيبر على المقاتلة. ولكنه قبل ذلك عندما افتتح أرض بني النضير لم يقسم الأرض وقسم ما سواها على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا رجلين منهم، وفي غزوة حنين بعد فتح مكة قسم الرسول صلى الله عليه وسلم الأموال وعفا عن السبي. فتصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم تبين أن أمر الأرض والأموال والسبي، موكول إلى الخليفة يتصرف فيها بما يراه مصلحة للإسلام، أي بما يعين ويؤكد تطبيق الإسلام داخل الدولة الإسلامية، وحمل الدعوة بالجهاد إلى الأمم والشعوب الأخرى؛ فهذا الفعل ليس فيه استدلال بالمصلحة، وإنما فيه قصد تحصيل مصالح المسلمين عن طريق القيام بالأعمال الجائزة. فليس الفعل من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من باب المصالح المرسلة بأي وجه من الوجوه.

ك- والمثل الأخير الذي نورده هنا وهو من أعمال التابعين، مفاده أن جملة مما حكم به عمر بن عبد العزيز كأمره الولاة بإقامة الخانات بطريق خراسان (1) .

... فهذا أيضًا ليس من قبيل المصالح المرسلة، وإنما هو من قبيل رعاية شؤون المسلمين والنصح لهم. وهذا مما جعله الشرع له بدليل من الشرع وليس من المصالح المرسلة. وقد تحدثنا عن هذا بما يكفي عند حديثنا عن إنشاء عمر للدواوين وعن محاسبته للولاة (2) .

... وهكذا فجميع الحوادث التي تروى عن الصحابة، ليس في أي واحدة منها استدلال بالمصلحة المرسلة، وإنما هي مستندة إلى أدلة شرعية.

الأدلة على أن المصالح المرسلة ليست دليلًا شرعيًا

(1) راجع ص 65 من هذا البحث.

(2) راجع ص 89-90 من هذا البحث

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت