الصفحة 98 من 138

... إذا سقط الاحتجاج بالأدلة التي أوردوها على حجية المصالح المرسلة، فهذا وحده كافٍ لردها وعدم اعتبارها. ومع ذلك فهي باطلة من عدة وجوه.

الأدلة الشرعية من الأصول، وهذه يشترط فيها القطع، والمصالح المرسلة دليل موهوم، وفي أحسن الحالات ظني، ولذلك فلا يصح اعتبار المصالح المرسلة. أما القول إنها دليل ولكنها ليست أصلًا قائمًا بذاته، أو ليست قسيمًا للقرآن والسنة والإجماع والقياس، بل راجعة إلى المصادر الأربعة، فحينئذٍ -إن صح القول- يكون الدليل هو المصدر الذي رجعت إليه.

المصالح المرسلة مردودة من حيث تعريفها، أي من حيث كونها مرسلة إذ إرسالها هو إرسال من الدليل. فهي بحسب تعريفها لا دليل عليها. فلم يبق سبب للاعتبار إلا الهوى أو حكم العقل. وهذا ليس من الدين. وجعل الشريعة ككل دليلًا مردود. فإن الشريعة ككل ليس لمجموعها معنىً معين تدل عليه.

لم يعرف من الشارع المحافظة على المقصود بكل طريق. بل إنه حدد طريقًا يجب الالتزام به. فحين عرفنا من مقاصد الشريعة مقصد حفظ العقل مثلًا، لم تعرف طريقة ذلك الحفظ بالعقل. وإنما عرفناها من الشرع، والشرع قيدنا بطريقته. ونحن أصلًا لم نعرف المقصد إلا من خلال الأحكام المشرّعة. وانظر في هذا ما أوردناه عن ابن قدامة المقدسي صفحة: 72.

القول بالمصالح المرسلة مخالف لتعريف الحكم الشرعي. فهو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، فإن لم يكن ثمة خطاب فليس ثمة حكم شرعي. ونحن مأمورون باتباع الشرع فقط. قال تعالى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم) (1) .

وقال: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (2) .

(1) الأعراف/ 3.

(2) الحشر/ 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت