الصفحة 99 من 138

إن تقدير إن الأمر الفلاني مصلحة راجع إلى العقل، والعقول البشرية تتفاوت، وأحكامها ليست شرعًا سواء أخطأت أم أصابت. وجعل الفعل شرعيًا لأنه مصلحة بتقدير العقل، هو إعطاء دور للعقل في التحسين والتقبيح، وهذا مخالف لحاكمية الله وحده: (إن الحكم إلا لله) (1) .

هناك نصوص كثيرة تمنع من اتباع المصلحة لأنها هوى ورأي، فمثلًا قوله تعالى: (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم) (2) . وقال: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) (3) . وقال: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (4) . وقال: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا) (5) . وقال: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (6) . وجعْل المصلحة المرسلة دليلًا ليس ردًا إلى الله ولا إلى الرسول، وليس تحكيمًا للرسول صلى الله عليه وسلم ولا رضىً بحكمه. وقوله تعالى: (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) فيه ردّ على الذين يستدلون بالمصلحة المرسلة، فيقول لهم سبحانه وتعالى إنه وحده الذي يعلم المصلحة والصلاح والخير والعدل والهدى والحق، أما هم فلا يعلمون ذلك. وكذلك قول الصحابي رضي الله عنه عندما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المخابرة أو المزارعة:"نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعًا، ولكن طاعة رسول الله أنفع لنا" (7) فيه رد لقول الذي يجعلون الشرع حيث المصلحة.

(1) الأنعام/ 57، يوسف/ 40، 67.

(2) الحجرات/ 7.

(3) النساء/ 59.

(4) الأحزاب/ 36.

(5) النساء/ 65.

(6) البقرة/ 216.

(7) رواه البخاري عن رافع بن خديج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت