الصفحة 5 من 14

ولا تقاس عبارة الشيخ طنطاوي التي ألقاها بمناسبتها على عواهنها بما ذهب إليه نجم الدين الطوفي في القرن السابع الهجري، فالرجل - أي الطوفي - بالرغم مما قيل عن زيغه عقيدة، أو ما قيل في نقده علميا، حيث كانت لكلمته شبهات نقدها العلماء ومن أحدثهم العلامة الأستاذ الدكتور الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي حيث ذراها مع الريح ترابا في كتابه الرائع عن"ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية"، وهو رسالته للدكتوراة التي حصل عليها من الأزهر لعام 1965.

أقول: بالرغم من ذلك، فقد كان لكلمة الطوفي"تأمين"أو ضمان سلامة وارد من جهة المجتمع المتشبع آنذاك بقيم الإسلام وشريعته وعقيدته، بحيث لا يتصور أن تزل به قدمه وراء تصورات منفلتة أو معادية للشريعة مهما ارتدت من فتوى هذا الشيخ أو ذاك، الأمر الذي لا يتواطأ مع جو المجتمع الراهن الذي يستمد تصوره للمصلحة من ضخ العلمانية التي هاجمتنا منذ قرنين، ذلك المجتمع الذي نعرف أن الشيخ الطنطاوي يخاطبه بكلمته تلك، كما سبق أن خاطبه من قبل في موضوع الربا وموضوع الحجاب.

وهاهي ثالثة الأثافي في موضوع"المصلحة".

أية مصلحة؟ أية مصلحة يا مولانا؟

إن المصلحة لفظ مشترك بين معان مختلفة باختلاف وجهات الثقافات والفلسفات والأديان والعقائد، إلى حد التناقض فيما بينها، وفي بعض أحوالها مع الشريعة الإسلامية.

فقد قدرها قوم بالعرف، ومنه العرف الذي كان سائدا لدى طائفة من العرب في الجاهلية بوأد البنات، فهل تنطبق عليها قولة الشيخ،: (حيثما توجد المصلحة توجد الشريعة وحيث تنتفي المصلحة - في الإبقاء على البنات مثلا - تنتفي الشريعة) ؟!

وقدرها بعضهم بسلطان العادات والتقاليد الشائعة، لا سيما في المجتمعات التي تسبغ على نفسها صبغة التقدمية، كمودة الأزياء النسائية التي ترى المرأة المعاصرة مصلحتها في متابعتها وإلا خسرت ربما مصدر رزقها! فهل تنطبق عليها قولة الشيخ،: (حيثما توجد المصلحة توجد الشريعة وحيث تنتفي المصلحة - في ستر العورة - تنتفي الشريعة) ؟!

وقدرها قوم باللذة أو المنفعة الشخصية، وأقاموا لها من النظريات ما أقاموا، مثل"أبيقور"الفيلسوف اليوناني المتوفى عام [230 ق م] فهل إذا وجدت - أي اللذة - في تدخين البانجو مثلا، وجدت المصلحة، فوجدت الشريعة تابعة لها، وإذا انتفى تدخينه انتفت المصلحة المفترضة في تدخينه، فانتفى حكم الشريعة - تابعا لها؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت