فهرس الكتاب
ورَحِم الله القرطبي حيث قال في تفسير قول الله عز وجل: ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (1) "قوله تعالى: ( وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ ) أي: ليس أحدٌ يغفر المعصية ولا يزيل عُقُوبتَها إلا الله (وَلَمْ يُصِرُّواْ) أي: ولم يثبتوا ويعزموا (وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ، وقال مجاهد أي: ولم يمضوا... الإصرار هو العزم بالقلب على الأمر وترك الإقلاع عنه ، ومنه صَرُّ الدنانير: أي الربط عليها... قال سهل بن عبد الله: الإصرار هو التسويف ، والتسويف: أن يقول: أتوب غدا ، وهذا دعوى النفس كيف يتوب غدا وغدا لا يملكه سهل؟!... قال علماؤنا: الباعث على التوبة وحل الإصرار إدامة الفكر في كتاب الله العزيز الغفار وما ذكره الله سبحانه من تفاصيل الجنة ووعد به المطيعين وما وصفه من عذاب النار وتهدد به العاصين ودام على ذلك حتى قوي خوفه ورجاؤه فدعا الله رَغبًا ورَهبًا، والرغبة والرهبة ثمرةُ الخوفِ والرجاء ، يخاف من العقاب ويرجو الثواب والله الموفق للصواب. وقد قيل: إنَّ الباعثَ على ذلك تنبيهٌ إلَهيٌّ يُنبِّه به من أراد سعادتَه لِقُبحِ الذنوبِ وضَرَرِها ؛ إذ هي سُمومٌ مُهلِكَةٌ . قلت: وهذا خلاف في اللفظ لا في المعنى فإنَّ الإنسانَ لا يتفكرُ في وَعدِ الله ووَعِيدِه إلا بتنبيهِه ؛ فإذا نظر العبدُ بتوفيقِ الله تعالى إلى نفسِه ؛ فوجدها مشحونةً بذنوبٍ اكتسبَها وسيئاتٍ اقترفَها وانبعثَ منه الندمُ على ما فرطَ وترك مثل ما سبق مخافةَ عُقوبةِ الله تعالى صدقَ عليه أنه تائبٌ ؛ فإن لم يكن كذلك كان مُصِراًّ على المعصية ومُلازِمًا لأسبابِ الْهَلَكة ، قال سهل بن عبد"
(1) / سورة آل عمران الآية: 135 .