سنتناول الآن وجها آخر من أوجه الموازنة بين الرصيد المعجمي والرصيد المصطلحي، وذلك بالرجوع إلى طبيعة وضع المفردات ونشأتها والبحث في صلتها بمسمَّياتها . فلما كانت اللغة مواضعة واتفاقًا على إفراد هذا الاسم لهذا المسمى وعلى تخصيصه به تخصيصًا لا يستند إلى علاقة طبيعية، أي إلى رابط معلل، كان الاعتباط هو السمة المهيمنة على العلاقة بين الدوال والمدلولات والأشياء. فباستثناء حكاية الأصوات التي ينطبق فيها الاسم على المسمى، لا يكاد يخلو الدليل اللغوي من الاعتباط. وهذه العلاقة الاعتباطية التي لا يعضدها وجود المسوّغ إنما تقتصر على الوضع الأول أو ما يسمى في البلاغة بالحقيقة. فالحقيقة، كما يقول الجرجاني هي"كل كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع وقوعًا لا يستند فيه إلى غيرة (أسرار البلاغة، ص324) . هي إذن وضع لا يرتكز على مستند ولا يحتكم إلى نموذج أو إطار مرجعي، فكأن الكلمة لقيطة أتت من فراغ، لذا عُدَّت اللغة اصطلاحًا من الدرجة الأولى."
أما الاصطلاح العلمي - وهو الذي يعنينا - فهو من الدرجة الثانية، إنه"مواضعة مضاعفة، على حد تعبير عبد السلام المسدي،إذ يتحول إلى اصطلاح في صلب الاصطلاح. فهو إذن نظام إبلاغي مزروع في حنايا النظام التواصلي الأول، و هو بصورة تعبيرية أخرى علامات مشتقة من جهاز علامي أوسع منه كمّا وأضيق دقة". يبدو إذن أن المصطلح يعرى من الاعتباط إذ هو مأخوذ عمومًا من مفردات موجودة سلفا، وذات دلالات قائمة يتحقق بها الوصل والمناسبة.
واستحضارنا المناسبة (وتسمى أيضًا الملاحظة في البلاغة مثله مثل إشارتنا الآنفة إلى الحقيقة، لا بد أن يقودنا بالاستتباع وبمقتضى التداعي والتلازم بين هذه المفاهيم إلى الحديث عن المجاز(الذي لا يخفى دوره سواء في البلاغة أو في الاصطلاح) . وحسب التعريف الذي وضعه الجرجاني:"كل كلمة أريد بها غير ما وضعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول فهي مجاز".