وأما قراءة ابن عامر (( قتلُ أولادهم شركائهم ) )برفع القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء على إضافة القتل إلى الشركاء ، والفصل بينهما بغير الظرف ، فشئ لو كان في الضرورات وهو الشعر ، لكان سمجًا مردودًا ، فكيف به في الكلام المنثور؟ فكيف به في القرآن الكريم المعجز بحسن نظمه وجزالته والذى حمله - أى ابن عامر - على ذلك أن رأى في بعض المصاحف شركائهم مكتوبًا بالياء ، ولو قرئ بجر الأولاد والشركاء ، لكان الأولاد شركاءهم في أموالهم ولوجد في ذلك مندوحة عن هذا الانكباب. [1]
وعجبت لمفسر جليل له في قلبى مكان لبراعته في النقد والتمحيص هو الفخر الرازى [2] ، كيف يتعرض لهذه القراءة ولموقف الزمخشرى منها ثم يمضى دون أن ينقده ويرد عليه ولست أدرى هل ارتضى ذلك من الزمخشرى ، أم أنه رأى أن تهافت رأيه من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تنبيه.
وأيًّا ما كان السبب ، فالحق أحب إلينا من كل حبيب ، فقراءة ابن عامر قراءة متواترة ، وكان الأولى بالزمخشرى ومن لف لفه في رد هذه القراءة ، أن يصححوا القاعدة النحوية لتمضى مع القراءة ، لا أن يردوا قرآنًا متواترًا لمخالفته لقاعدة نحوية.
وكلام الزمخشرى في رده قراءة ابن عامر يشير إلى معتقده في القراءات وأنها اجتهادية وليست منقولة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - هذا ما ينبئ عنه قوله: ولو قرئ بجر الأولاد والشركاء لكان الأولاد شركاءهم في أموالهم ... ... ... .
يقصد الزمخشرى أنه كان بمقدور ابن عامر أن يعدل عن نصب الأولاد إلى جره بالإضافة إلى"قتل"وإبدال الشركاء منه فيكون المعنى: إن الشيطان زين لكثير من المشركين قتل أولادهم وهم شركاؤهم في أموالهم.
أرأيت ذلك السخف الذى يرمى إليه كلام الزمخشرى ، ولست أدرى هل نبا من علمه أن القراءات نقلية ، لا اجتهادية ؟ وكيف يغيب ذلك عن مفسر كالزمخشرى له باعه الطويل في إظهار بلاغة القرآن الكريم ؟
(1) الكشاف - 2/54.
(2) تفسير الفخر الرازى - 6/594