إن القراءات سمعية نقلية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست اجتهادية ، وقد اتفق العلماء واعتقد أهل الحق أن القراءات السبع - ومنها قراءة ابن عامر - متواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إجمالًا وتفصيلًا. بل قال صاحب المناهل: إن الرأى المحقق هو أن القراءات العشر متواترة ، وليس السبع فقط. [1] إذا ثبت ذلك فلا اعتبار لما قاله الزمخشرى أو غيره في تضعيف قراءة ابن عامر وردها.
ولقد شدد ابن المنير - في الانتصاف - النكير على الزمخشرى فقال: إن المنكر على ابن عامر إنما أنكر عليه ما ثبت أنه براء منه قطعًا وضرورة ؛ لأن هذه القراءة مما علم ضرورة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قرأ بها ، ولولا عذر أن المنكر ليس من أهل الشأنين ، أعنى علم القراءة وعلم الأصول ، ولا يعد من ذوى الفنين المذكورين ، لخيف عليه الخروج من ربقة الدين ، وإنه على هذا العذر لفى عهدة خطرة ، وزلة منكرة. [2]
وقال أبو حيان في رده عليه: وأعجب لعجمى ضعيف في النحو يرد على عربى صريح محض قراءة متواترة ، وأعجب لسوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقًا وغربًا. [3]
ومع ذلك فإذا نزلنا مع الزمخشرى ومن تابعه في رد هذه القراءة ، إذا نزلنا معهم إلى القياس النحوى ، فإننا نرى أن القراءة ماضية مع القواعد النحوية ، فلقد قال الكوفيون: يجوز الفصل بين المتضايفين في النثر وفى الشعر إذا كان المضاف مصدرًا ، والمضاف إليه فاعله ، والفاصل بينهما مفعوله كقراءة ابن عامر التى نحن بصددها ، ومنه قول القائل:
عتوا إذ أجبناهم إلى السلم رأفة ... فسقناهم سوق البغاث الأجادل
(1) مضت الإشارة إليه مرارًا.
(2) الانتصاف لابن المنير - 2/53 بذيل الكشاف للزمخشرى.
(3) تفسير البحر المحيط - 4/230.