فنجيب بأن ما قرأ به حمزة قرآن ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحمزة لم يأت بهذه القراءة من عند نفسه ، ولم ينشئها إنشاءً باجتهاده الخاص ، بل إنه لا يمثل إلا حلقة في سلسلة امتدت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتنقل هذه القراءة نقلًا متواترًا طبقة عن طبقة وجمعًا عن جمع تمنع العادة أن يتواطأوا على الكذب. فكيف بعد ذلك تصل الجرأة بهؤلاء إلى رد ما تواتر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم؟!!
وهل لدعواهم التى أثاروها مجال في الواقع؟ أو بتعبير آخر: هل بالفعل قراءة حمزة هذه تعارض الأحاديث النبوية المذكورة وما في معناها مما لم نذكره؟
أقول: لو أن المعترضين تطوعوا بجهدهم وسخروه في خدمة التوفيق بين القراءة المتواترة والأحاديث النبوية ، لكن أجدى لهم ولنا وأنفع ، وهو سهل ميسور لا يكلف كثير عناء ، ولا يحمل كبير مشقة ، كما سوف ترى الآن.
التوفيق بين القراءة والأحاديث النبوية
بالنظر إلى كل من قراءة حمزة"الأرحامِ"والأحاديث النبوية الواردة في مقام النهى عن الحلف بغير الله يتبين لنا أنه لا تعارض مطلقًا بينهما يبرر رد القراءة وفيما يأتى أذكر بعض وجوه هذا التوفيق:
أ- لتوجيه قراءة حمزة وتخريج الخفض فيها وجوه مضى ذكرها في المبحث السابق ومن ذلك أن"والأرحامِ"قد يكون مخفوضًا على القسم والمقسم هو الله تعالى ، وحينئذٍ فلا تعارض بين القراءة والسنة لأن محل النزاع في حلف المخلوق بالأرحام وليس في حلف الله تعالى بها ، إذ إن لله تعالى أن يحلف بما شاء من مخلوقاته ، وفى القرآن الكريم أدلة كثيرة على وقوع ذلك كإقسامه تعالى بالفجر والليل والشمس والعصر والضحى والتين ... ... ... ..الخ
ويجوز أن يكون الخفض على تقدير ورب الأرحام وحينئذٍ فلا معارضة أيضًا بل هو التوافق بين ما أثبتته القراءة وأثبتته الأحاديث.
هذا كله على كون"الأرحامِ"مخفوضًا لا بالعطف على الضمير المجرور في قوله"به"ولكن على ما قد عرفت.