ب- وأما على كون"الأرحام"معطوفًا على الضمير المجرور قبله فتأويل السؤال بالرحم أنه على سبيل الاستعطاف وليس الاستحلاف. وهذه عادة كانت معروفة عند العرب أنهم كانوا يستدرون العطف والود من بعضهم بحق الرحم والقربى ، فيقول الواحد منهم للآخر: أسألك بالرحم أن تفعل كذا أو لا تفعل كذا ، استعطافًا لا استحلافًا.
وبهذين الوجهين يندفع التعارض أو يتم التوفيق وقد قيل: الالتقاء في وجه أولى من الرد من كل وجه وإعمال الدليلين أولى من إهمالهما ، أو إهمال أحدهما.
السبب في الجرأة على رد القراءات
يرجع السبب في ذلك من وجهة نظرى إلى أن هؤلاء - وأعنى الذين دأبوا على رد بعض القراءات الثابتة - يعتقدون أن مصدر القراءات الاجتهاد وليس النقل ، نفهم هذا من سياق كلامهم حين يقولون: هذه القراءة أجود من تلك ، أو فلان أفصح من فلان ، أو كان ينبغى عليه أن يقرأها هكذا ، ونحو ذلك من العبارات التى تنبئ عن معتقدهم في القراءات وأنها اجتهادية ويفهم هذا بوضوح من اتجاه الزمخشرى في الكشاف كما قد مضت الإشارة إلى ذلك في المبحث السابق حيث ناقشت رده لقراءة ابن عامر: (( وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتلُ أولادهم شركائهم ) ) [1] بجعل"زين"ماضيًا للمجهول ورفع"قتل"نائبًا عن الفاعل ونصب"أولادهم"على المفعولية ، وجر"شركائهم"بالإضافة إلى"قتل"وقد اعترض الزمخشرى على هذه القراءة بما قد عرفت. وقد ذكرت هناك ردود العلماء عليه ، خاصة ابن المنير ، وأبا حيان.
ومن المواضع التى كشف فيها الزمخشرى عن معتقده هذا في القراءات ما جاء في الكشاف عند تفسير قوله تعالى في سورة الكهف: (( هنالك الولاية لله الحق ) ) [2] حيث مدح الكشاف قراءة عمرو بن عبيد بنصب (الحق) وقال: هى قراءة حسنة فصيحة وكان عمرو بن عبيد من أفصح الناس وأنصحهم ا.هـ
(1) سورة الأنعام: 137.
(2) سورة الكهف: 44