وتربوية ويربط الحادثة المفردة بالقاعدة الشاملة. والموقف الخاص بالأصل الكوني العام. ويخاطب النفوس والقلوب بطريقته الفذة ومنهجه الفريد.
ومن سياق السورة وجوها ، وبالموازنة بينها وبين إيحاءات سورة محمد التي قبلها في ترتيب المصحف يتبين مدى ما طرأ على الجماعة المسلمة في موقفها كله من تغيرات عميقة ، في مدى السنوات الثلاث ، التي نرجح أنها تفرق بين السورتين في زمن النزول. ويتبين مدى فعل القرآن الكريم ، وأثر التربية النبوية الرشيدة لهذه الجماعة التي سعدت بالنشوء والنمو في ظلال القرآن ، وفي رعاية النبوة. فكانت ما كانت في تاريخ البشرية الطويل.
واضح في جو سورة الفتح وإيحاءاتها أننا أمام جماعة نضج إدراكها للعقيدة ، وتجانست مستوياتها الإيمانية ، واطمأنت نفوسها لتكاليف هذا الدين ولم تعد محتاجة إلى حوافز عنيفة الوقع كي تنهض بهذه التكاليف في النفس والمال بل عادت محتاجة إلى من يخفض حميتها ، وينهنه حدتها ، ويأخذ بزمامها لتستسلم للهدوء ، والمهادنة بعض الوقت ، وفق حكمة القيادة العليا للدعوة.
لم تعد الجماعة المسلمة تواجه بمثل قوله تعالى: «فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ» .. ولا بمثل قوله تعالى: «ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ، وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ ، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ» .
ولم تعد في حاجة إلى حوافز قوية للجهاد بالحديث عن الشهداء وما أعد اللّه لهم عنده من الكرامة ولا بيان حكمة الابتلاء بالقتال ومشقاته كما في سورة محمد إذ يقول اللّه تعالى: «ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ ، وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ، وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ» .
إنما صار الحديث عن السكينة التي أنزلها اللّه في قلوب المؤمنين ، أو أنزلها عليهم. والمقصود بها تهدئة فورتهم ، وتخفيض حميتهم ، واطمئنان قلوبهم لحكم اللّه وحكمة رسوله - صلى الله عليه وسلم - في المهادنة والملاينة ، وعن رضى اللّه عن المبايعين تحت الشجرة. وكانت هذه الصورة الوضيئة في نهاية السورة للرسول ومن معه.
أما الحديث عن الوفاء بالبيعة والنكث فيها في قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ، وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا» .. فالإيحاء فيه أكثر إلى تكريم المبايعين وتعظيم شأن البيعة. والإشارة إلى النكث جاءت بمناسبة الحديث عن الأعراب المتخلفين ، وكذلك الإشارة إلى المنافقين والمنافقات فهي إشارة عابرة ، تدل على ضعف