فهرس الكتاب

الصفحة 1099 من 1681

التسمية: سميت (سورة الحجرات) لأن الله تعالى ذكر فيها حرمة بيوت النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) وهي الحجرات التي كان يسكنها أمهات المؤمنين الطاهرات رضوان الله عليهن . [1]

ولما نوه سبحانه في القتال بذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في ابتدائها باسمه الشريق وسمى السورة به , وملأ سورة محمد بتعظيمه , وختمها باسمه , ومدح أتباعه لأجله , افتتح هذه باشتراط الأدب معه في القول والفعل للعد من حزبه والفوز بقربه , ومدار ذلك معالي الأخلاق , وهي إما مع الله سبحانه وتعالى أو مع رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو مع غيرهما وإن كان كل قسم لا يخلو عن لحظة الآخر , وغيرهما إما أن يكون داخلًا مع المؤمنين في رتبة الطاعة أو خارجًا عنها , وهو الفاسق , والداخل في طاعة المؤمنين السالك لطريقتهم إما أن يكون حاضرًا عندهم أو غائبًا عنهم , فهذه خمسة أقسام , فصل النداء بسببها خمس مرات , كل مرة لقسم منها , واففتح بالله لأن الأدب معه هو الأصل الجامع للكل والأس الذي لا يبنى إلا عليه , فقال مناديًا للمتسمين بأول أسنان القلوب تنبيهًا على أن سبب نزولها من أفعالهم أهل الكمال , فهو هفوة تقال , وما كان ينبغي أن يقال , وليشمل الخطاب المعهود للأدنى - ولو مع النفاق - من فوقه من باب الأولى. [2]

هذه السورة التي لا تتجاوز ثماني عشرة آية ، سورة جليلة ضخمة ، تتضمن حقائق كبيرة من حقائق العقيدة والشريعة ، ومن حقائق الوجود والإنسانية. حقائق تفتح للقلب وللعقل آفاقا عالية وآمادا بعيدة وتثير في النفس والذهن خواطر عميقة ومعاني كبيرة وتشمل من مناهج التكوين والتنظيم ، وقواعد التربية والتهذيب ، ومبادئ التشريع والتوجيه ، ما يتجاوز حجمها وعدد آياتها مئات المرات! وهي تبرز أمام النظر أمرين عظيمين للتدبر والتفكير.

وأول ما يبرز للنظر عند مطالعة السورة ، هو أنها تكاد تستقل بوضع معالم كاملة ، لعالم رفيع كريم نظيف سليم متضمنة القواعد والأصول والمبادئ والمناهج التي يقوم عليها هذا العالم والتي تكفل قيامه أولا ، وصيانته أخيرا .. عالم يصدر عن اللّه ، ويتجه إلى اللّه ، ويليق أن ينتسب إلى اللّه .. عالم نقي القلب ، نظيف المشاعر ، عف اللسان ، وقبل ذلك عف السريرة .. عالم له أدب مع اللّه ، وأدب مع رسوله ، وأدب مع نفسه ، وأدب مع غيره. أدب في هواجس ضميره ، وفي حركات جوارحه. وفي الوقت ذاته له شرائعه المنظمة لأوضاعه ، وله نظمه التي تكفل صيانته. وهي شرائع ونظم تقوم على ذلك الأدب ، وتنبثق منه ، وتتسق معه فيتوافى باطن هذا العالم وظاهره ، وتتلاقى شرائعه ومشاعره ، وتتوازن دوافعه وزواجره وتتناسق أحاسيسه وخطاه ، وهو يتجه ويتحرك إلى اللّه .. ومن ثم لا يوكل قيام هذا العالم

(1) - صفوة التفاسير ـ للصابونى - (3 / 241)

(2) - نظم الدرر ـ موافق للمطبوع - (7 / 338)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت