فهرس الكتاب

الصفحة 1105 من 1681

فأولا: كانت سورة « الفتح » ـ وهى مدنية أيضا ـ أول بشائر النصر ، الذي تعلو به راية الإسلام ، ويتم به دين اللّه ، ويرى به النبي والمهاجرون والأنصار ثمرة الجهاد في سبيل اللّه ، وما احتمل النبي وأصحابه من بلاء عظيم ..ثم تلا هذه السورة ، سورة « الحجرات » ، التي كانت أشبه بتعليق وتعقيب على سورة الفتح ، وعلى ما وقع فيها من أحداث وخاصة في صلح الحديبية ..فجاءت سورة « ق » تذكر النبي وأصحابه بما كان في بدء الدعوة الإسلامية ، من عناد المشركين وضلالهم وسفههم ، وأن هؤلاء المشركين الضالين السفهاء قد تحولت بهم الأحوال ، وأوشكوا أن يدخلوا في دين اللّه ، بعد أن كسرت شوكتهم ، وبدأت غشاوة الضلال والسفه تنجلى عن أبصارهم ، بما رأوا من إعزاز اللّه لدينه ، ونصره لأوليائه ..

وثانيا: جاء في ختام سورة « الحجرات » ما كان من موقف الأعراب من دين اللّه ، وأنهم كانوا من الإسلام في موقف أشد ضلالا ، وأكثر بعدا من موقف إخوانهم المشركين أهل مكة .. إذ أن المشركين كانوا يعلمون صدق النبي ، ويدركون حقيقة ما يدعو إليه من إيمان باللّه. أما هؤلاء الأعراب ، فإن جفاء طباعهم ، وغلظة أكبادهم ، حالت بينهم وبين أن يدركوا حقيقة هذا الدين ، ولم تتسع عقولهم لاستيعاب مراميه ، كما يقول سبحانه وتعالى فيهم: « الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ » (97: التوبة) ـ فجاءت سورة « ق » تحدثهم عن إخوانهم المشركين ، وما كان لهم من تعلّات على دين اللّه .. ثم ها هم أولاء ، وقد دخل كثير منهم في الإسلام ، ثم الإيمان ، هاهم أولاء قد أصبحوا في جند اللّه المجاهدين في سبيل اللّه .. وإذن فليكن لهؤلاء الأعراب أسوة في إخوانهم هؤلاء ، الذين كانوا على الشرك والضلال ، ثم أصبحوا وقد لبسوا الإسلام دثارا ، والإيمان شعارا ..

وهكذا تبدو سورة « ق » وكأنها تعقيب على سورة « الفتح » واستعادة للماضى وأحداثه ، بين يدى هذا الحاضر المسعد ، والمستقبل المشرق ، فتعظم تلك النعمة التي يعيش المسلمون فيها مع هذا الفتح العظيم ، الذي لم يكن يراود أحلامهم ، في يوم من الأيام .. [1]

مقدمة وتمهيد

1 -سورة « ق » هي السورة الخمسون في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في النزول فكان بعد سورة « المرسلات » .

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (13 / 462)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت