مقصودها الدلالة على صدق ما أنذرت به سورة ق تصريحا وبشرت به تلويحا ولا سيما آخرها من مصاب الدنيا وعذاب الآخرة ، واسمها الذاريات ظاهر في ذلك بملاحظة جواب القسم فإنه مع القسم لشدة الارتباط كالآية الواحدة وإن كان خمسا ، والتعبير عن الرياح بالذاريات أتم إشارة إلى ذلك ، فإن تكذيبهم بالوعيد لكونهم لا يشعرون بشيء من أسبابه وإن كانت موجودة معهم كما أن ما يأتي من السحاب من الرحمة والنقمة أسبابه وإن كانت موجودة ، وهي الرياح وإن كانوا لا يرونها ، واريح من شأنها الذرء وهو التفريق ، فإذا أراد الله جمعت فكان ماأراد ، فإنها تفرق الأبخرة ، فإذا أراد الله سبحانه جمعها فحملها ما أوجد فيها فأوقرها به فأجراها إجراء سهلا ، فقسم منها ما أراد تارة برقا وأخرى رعدا ، يصل صليل الحديد على الحديد ، أو الحجر على مثله مع لطافة السحاب ، كل ما يشاهد فيه من الأسباب ، وآونة مطرا شديد الانصباب ومرة بردا ومرة ثلجا يرجى ويهاب نن وحينا صواعق ونيرانا لها أي التهاب ، ووقتا جواهر ومرجانا بديعة الإعجاب ، فتكون مرة سرورا ورضوانا ، وأخرى غموما وأحزانا ، وغبنا وخسرانا ، على أنهم أخيل الناس في يعض ذلك ، يعرفون السحاب الذي يخيل المطر والذي لا يخليه والذي مطرهع دان ، والذي لم يئن له أن يمطر. إلى غير ذلك من أشياء ذكرها أهل الأدب وحملها أهل اللغة عنهم ، وكل ذلك بتصريف الملائكة عن أمر الله ، ولذلك. والله أعلم. [1]
هذه السورة ذات جو خاص. فهي تبدأ بذكر قوى أربعة .. من أمر اللّه .. في لفظ مبهم الدلالة ، يوقع في الحس لأول وهلة أنه أمام أمور ذات سر. يقسم اللّه - تعالى - على أمر: «وَالذَّارِياتِ ذَرْوًا ، فَالْحامِلاتِ وِقْرًا ، فَالْجارِياتِ يُسْرًا ، فَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا. إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ. وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ» ..
والذاريات. والحاملات. والجاريات. والمقسمات .. مدلولاتها ليست متعارفة ، وهي غامضة تحتاج إلى السؤال والاستفسار ، كما أنها بذاتها تلقي في الحس ذلك الظل. ولعله هو المقصود الأول منها في جو هذه السورة.
وما يكاد القسم الأول ينتهي حتى يعقبه قسم آخر بالسماء: «وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ» .. يقسم بها اللّه تعالى.على أمر: «إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ» .. لا استقرار له ولا تناسق فيه ، قائم على التخرصات والظنون ، لا على العلم واليقين ..
هذه السورة: بافتتاحها على هذا النحو ، ثم بسياقها كله ، تستهدف أمرا واضحا في سياقها كله .. ربط القلب البشري بالسماء وتعليقه بغيب اللّه المكنون وتخليصه من أوهاق الأرض ، وإطلاقه من كل عائق
(1) - نظم الدرر ـ موافق للمطبوع - (7 / 269)