فهرس الكتاب

الصفحة 1371 من 1681

وتمثيل ضلالهم في الدنيا.

ومقابلة حالهم بحال المؤمنين أهل الصلاة والزكاة والتصديق بيوم الجزاء. [1]

مناسبتها لما قبلها

كانت سورة « المزمل » دعوة لإيقاظ النبي ، وتنبيهه إلى الحياة الجديدة التي سيبدأ رحلتها منذ اليوم الذي التقى فيه برسول الوحى في غار « حراء » مستفتحا رسالة السماء إليه بقوله تعالى: « اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ » وقد أخذ النبىّ من هذا اللقاء ما أخذه ، من قلق وجزع ، . حتى لقد لزم يبته ، وأرخى ستارا بينه وبين الحياة ، لا يدرى ماذا ينتظره في غده! وجاء الوحى الذي لقيه في الغار ، ليشرح له الموقف ، وليبين له ، أن الأمر الذي تلقّاه ، ليس هو أن يقرأ ما يسمع منه وحسب ، وإنما ذلك هو بدء قراءة دائمة متصله بينهما ، ثم هو بدء قراءة بين « محمد » وبين الناس جميعا .. إنه منذ اليوم ، هو رسول اللّه إلى الناس جميعا ، وأنه محمّل برسالة من عند اللّه يؤديها إليهم .. وأداء هذه الرسالة يقتضيه بأن يرفع هذا الغطاء عنه ، وأن يستيقظ استيقاظا كاملا ، وأن يصحو صحوة لا يخالطهافتور ، حتى يستطيع أن يحمل هذه الرسالة الكبرى ، ويواجه الناس بها: « إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا » ولقد استيقظ « المزمل » ورفع الغطاء عنه ، وقام الليل إلا قليلا ، يرتل ما نزل عليه من آيات ربه ، ويعيش معها بوجوده كله ، حتى يتمثل هذه الآيات حرفا حرفا ، وكلمة كلمة ، وحتى يكون هو نفسه على مستوى هذه الآيات ، كمالا ، وروعة ، وجلالا .. إنه الوعاء الحامل لآيات اللّه إلى الناس ، وإن للوعاء وزنه ، وقدره ، وأثره ، في المادة الحامل لها ، وفيما يرى الناظرون إليها منه ، وما يقع في نفوسهم منها ..وإذ قد استيقظ « المزمل » وأخذ أهبته المهمة الجديدة التي كلف بها ، وتزود لها بالزاد الذي يعينه عليها ، ولم يبق إلا أن يؤذن له ببدء المسيرة إلى حيث يلتقى بالناس ، ويؤذّن فيهم برسالة اللّه المرسل بها إليهم ـ إذ يصل الأمر إلى هذا الحدّ ، فها هو ذا رسول الوحى ، يطرق الباب على النبي ، ثم يدخل عليه ، فيجده متدثرا في ثيابه ، قائما في محراب ذكره للّه ، وترتيله آيات اللّه ، فيهتف به ب قوله تعالى: « يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنْذِرْ » إنها دعوة إلى قيام غير القيام الأول الذي دعى إليه في قوله تعالى: « يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا » وإن المزمل غير المدثر .. فالمزمل نائم ، متعب ، مجهد .. والمدثر ، متلفف في ثيابه ، في حال قيام ، أو قعود ، وإن لم يكن مشمرا للعمل .. وأصل المدثر: المتدثر ، فأدغمت التاء في الدال ، وكذلك الأصل الاشتقاقى للمزمل.وإن المدثر ليقوم الآن لينذر ، ويبلغ رسالة ربه إلى الناس ، وليخلع الأردية المتدثر بها ، وليلبس ثوب العمل.

(1) - التحرير والتنوير لابن عاشور - (29 / 271)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت