فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 1681

عيسى إلا وقد ذكر عندهم ما يشهد لها من جنسها ، ولأن قصة عيسى قيست على قصة آدم والمقيس عليه لا بد وأن يكون معلوما لتتم الحجة بالقياس فكانت قصة آدم - والسورة التي هي فيها - جديرة بالتقديم.

وقد ذكر بعض المحققين من وجوه التلازم بين الصورتين أنه قال في البقرة في صفة النار: أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [البقرة: 24] مع افتتاحها بذكر المتقين والكافرين معا ، وقال في آخر هذه: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133] فكأن السورتين بمنزلة سورة واحدة ، مما يقوي المناسبة والتلازم بينهما أن خاتمة هذه مناسبة لفاتحة تلك لأن الأولى افتتحت بذكر المتقين وأنهم المفلحون وختمت هذه بقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 130 ، 220] وافتتحت الأولى بقوله سبحانه: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: 4] وختمت آل عمران بقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ [آل عمران: 199] وقد ورد أن اليهود قالوا لما نزل مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ [البقرة: 245 ، الحديد: 11] الآية: يا محمد افتقر ربك يسأل عباده القرض فنزل لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [آل عمران: 181] وهذا مما يقوي التلازم أيضا ، ومثله أنه وقع في البقرة حكاية قول إبراهيم: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [البقرة: 129] الآية وهنا لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمران: 164] الآية إلى غير ذلك. [1]

مدى صلتها بسورة البقرة:

هناك أوجه اتّصال وشبه ومقارنة بين السورتين: البقرة وآل عمران ، وهي ما يأتي:

1 -موقف الناس من القرآن: بدئت السورتان بذكر القرآن (أو الكتاب) وحدد موقف الناس منه ، ففي البقرة: ذكر حال المؤمنين وغير المؤمنين به ، وفي آل عمران: ذكر موقف الزائغين الذين يتصيّدون ما تشابه منه ، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وموقف الرّاسخين في العلم الذين يؤمنون بمحكمه ومتشابهه ، قائلين: كلّ من عند ربّنا.

2 -عقد التّشابه بين خلق آدم وخلق عيسى: ففي البقرة تذكير بخلق آدم ، وفي آل عمران تذكير بخلق عيسى ، وتشبيه الثاني بالأول في خلق غير معتاد.

3 -محاجّة أهل الكتاب: في السورة الأولى: إفاضة في محاجّة اليهود وبيان عيوبهم ونقائصهم ونقضهم العهود ، وفي الثانية: إيجاز في محاجّة النصارى ، لتأخرهم في الوجود عن اليهود.

(1) - روح المعانى ـ نسخة محققة - (2 / 71)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت