فهرس الكتاب
الثاني - تمييز المؤمنين عن المنافقين بصدد غزوة تبوك.
أما أحكام الجهاد فقد مهد لها القرآن الكريم في هذه السورة بنبذ العهود والأمان بالنسبة للمشركين ، وإنهاء المعاهدات التي كانت قائمة بين المسلمين وأهل الكتاب لأن كلا من المشركين والكتابيين نقضوا العهود ، وتواطأت طوائف اليهود من بني النضير وبني قريظة وبني قينقاع مع المشركين على محاربة المسلمين ومحاولة القضاء عليهم. وتحدثت حوالي عشرون آية عن أحقاد اليهود ودسائسهم ومؤامراتهم ، وخبثهم وكيدهم ، فلا عهد ولا أمان ، ولا سلم ولا مصالحة بعد انتهاء أمد الأمان ، ونقض العهود من غير المسلمين.
وأما الأمر الثاني فكان بسبب استنفار المسلمين لغزو الروم في غزوة تبوك ، وقد أوضحت الآيات في القسم الأعظم من هذه السورة نفسيات المسلمين ، وظهور عوارض التثاقل والتخلف والتثبيط ، ومراوغة المنافقين ، ودسائسهم الماكرة ، واتخاذهم ما أطلق عليه (مسجد الضرار) الذي نزل بشأنه أربع آيات ، وكرا للتآمر والتخريب ، وتعريتهم بشكل فاضح ، حتى سميت السورة (الفاضحة) لأنها فضحت المنافقين ، ولم تدع لهم سترا إلا هتكته.
والخلاصة: كانت هذه السورة سورة الحسم الكامل لأوضاع غير المسلمين ، وربما كانت أخطر سورة حشدت جيش الإيمان وأعدته للمعركة الفاصلة النهائية بين المسلمين وغيرهم ، سواء في داخل الدولة بتصفية جذور النفاق ، والقضاء على مكر اليهود ، أو في خارج الدولة بالتصدي لغطرسة الروم في غزوة تبوك التي أرهبتهم ، وجمّدت كل تحركاتهم المشبوهة للقضاء على الإسلام والمسلمين.
وكان لهذه التصفية المقدّر والمخطط لها من قبل اللّه تعالى على الصعيد الداخلي والخارجي الأثر الأكبر في استقرار الدولة الإسلامية ، والحفاظ على كيانها الدولي وإظهار هيبتها ومنعة وجودها ، بعد انتقال مؤسسها وقائدها النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى.
أضواء من التاريخ على صلح الحديبية:
عقد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم معاهدة صلح الحديبية سنة ست من الهجرة مع المشركين على وضع الحرب أوزارها ، وعلى السلم والأمان مدة عشر سنوات ، بشروط متسامح فيها عن قوة وعزة ، لا عن ضعف وذلة. ثم نقضت قريش المعاهدة بإعانة حليفتها قبيلة بني بكر على قبيلة خزاعة حليفة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بالسلاح والرجال ، فاستغاث عمرو بن سالم الخزاعي على رأس وفد بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فأغاثه قائلا: «نصرت يا عمرو بن سالم ، لا نصرت إن لم أنصر بني كعب» فكان ذلك سبب عودة حالة الحرب مع قريش.